“الكريدي الدولي”.. كيف يبتلع نظام تبون تناقضاته تحت وطأة الضغط؟

في مشهد يعكس أزمة المنهج الذي يدير به النظام الجزائري ملف الاقتصاد الوطني، لم تعد “سيادة” الأمس سوى شعار يذوب في مواجهة واقع الاضطرار المالي. فبعد سنوات من التغني بسياسة “صفر دين خارجي”، وجدت السلطة في الجزائر نفسها مضطرة للانقلاب على خطابها الرنان، متجهة نحو صناديق الإقراض الدولية لتمويل مشاريع هي في حاجة ماسة إليها، لكنها تفضح في الوقت ذاته حجم الفشل في إدارة عائدات المحروقات لعقود.

التحول الذي رصدته مجلة “جون أفريك” لم يكن مجرد تعديل في سياسة مالية، بل هو اعتراف صريح ضمنيًا بعجز النموذج الاقتصادي للسلطة عن الصمود بعيدًا عن الإقراض الخارجي. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس عبد المجيد تبون يصف اللجوء إلى الديون الخارجية بأنه “عار” و”خيانة” تمس استقلال القرار السياسي، نراه اليوم يفتح الباب على مصراعيه أمام البنك الإفريقي للتنمية، بقرض يتجاوز 3 مليارات دولار، لتمديد خط سكة حديد نحو أقصى الجنوب، في مشروع يبدو طموحًا لكنه يكشف عن عمق المأزق المالي الذي تعيشه البلاد.

هذا التناقض ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج طبيعي لعقود من التسيير الريعي الذي جعل من المحروقات سلاحًا ذا حدين. فبعد أن تخلت الجزائر في التسعينيات عن جزء من سيادتها لصالح صندوق النقد الدولي في ذروة أزمتها، سارعت لدفن تلك الذكرى المؤلمة تحت وابل من احتياطات النفط حين عادت الأسعار للارتفاع. لكن الإدارة البذرة لتلك الإيرادات، غياب التنويع الاقتصادي الحقيقي، واستمرار هيمنة النهج البيروقراطي جعلت من عودة الاقتراض أمرًا حتميًا، وليس خيارًا تنمويًا مدروسًا.

وبينما يحاول النظام ترويج هذه الخطوة تحت عنوان “الدين المنتج”، فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه العودة القسرية إلى مربع الديون هو: أين ذهبت الريوع النفطية الهائلة التي راكمتها البلاد خلال العقدين الماضيين؟ وكيف يمكن الحديث عن استقلال القرار السياسي والجزائر تعيد فتح ملف الاقتراض الخارجي في ظل شروط غير معلنة، واقتصاد لا يزال خانقًا تحت وطأة البيروقراطية وهشاشة النظام المصرفي؟

ما يحدث ليس تحولًا استراتيجيًا نابعًا من رؤية تنموية، بل هو انهيار تدريجي لأسطورة “الاستغناء عن الخارج” التي ظل النظام يروج لها كواجهة سياسية. اليوم، يدفع تبون ثمن تضييعه للفرص الذهبية التي أتاحتها أسعار النفط المرتفعة، ويجد نفسه مضطرًا إلى التراجع عن خطاب “العار” ليخضع لمنطق الصناديق المانحة، في قصة لا تختلف كثيرًا عن جولة سابقة من الركوع المالي تحت وطأة الإخفاق الداخلي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *