حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من تصاعد خطر تكاثر الجراد الصحراوي في عدد من مناطق القارة الإفريقية خلال سنة 2026، في ظل ظروف مناخية مواتية قد تعزز انتشار هذه الآفة العابرة للحدود.
ويأتي هذا التحذير في سياق تقارير الرصد الأخيرة التي تشير إلى أن بعض مناطق شمال إفريقيا، ومن بينها المغرب، قد تشهد نشاطا ملحوظا للجراد خلال الأشهر المقبلة، خصوصا مع توالي التساقطات المطرية التي توفر بيئة مناسبة لتكاثره وانتشاره.
وتبرز المعطيات المناخية والبيئية المرتبطة بالسنوات الأخيرة أن تحولات الطقس، وارتفاع وتيرة الأمطار في مناطق صحراوية تقليديا جافة، ساهمت في خلق ظروف غير اعتيادية سمحت بتكاثر الجراد على نطاق أوسع.
كما أن طبيعة هذه الآفة، المعروفة بقدرتها على الهجرة لمسافات طويلة وتشكيل أسراب ضخمة، تجعل من مكافحتها تحديا يتجاوز الحدود الوطنية، ويطرح الحاجة إلى تنسيق إقليمي فعال بين الدول المعنية.
وفي هذا السياق، قال الخبير في البيئة والمناخ مصطفى بنرامل، في تصريح لـ “بلبريس”، إن تقرير الفاو الذي حذر من تهديد الجراد لا يهم المغرب وحده، بل يشمل مختلف دول شمال إفريقيا، موضحا أن حالة الإنذار هذه تتكرر منذ نحو ثلاث سنوات، حيث يتم تسجيل ارتفاع ملحوظ في تكاثر الجراد نتيجة التغيرات المناخية التي تعرفها منطقة الصحراء الكبرى.
وأوضح أن عددا من الدول الواقعة في هذا الحزام الصحراوي، من بينها إريتريا وجيبوتي، والسودان وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا، شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تكاثرا كبيرا للجراد، وهو ما يرتبط أساسا بعاملين رئيسيين؛ أولهما التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها هذه المناطق، خصوصا خلال سنة 2025 التي تميزت بفيضانات قوية في عدد من البلدان، وثانيهما تراجع أعداد الطيور المهاجرة القادمة من أوروبا، والتي تعد من المفترسات الطبيعية للجراد.
وأشار إلى أن تغير مسارات هذه الطيور أو بقائها في جنوب البحر الأبيض المتوسط أو شمال إفريقيا أدى إلى اختلال في التوازن البيئي، ما جعل الجراد يتكاثر دون وجود ضغط طبيعي يحد من انتشاره.
وأضاف الخبير أن دورة حياة الجراد تسمح بتكاثر سريع وخطير، إذ يمكن للحشرة الواحدة أن تضع ما بين 80 و120 بيضة، فيما قد يغطي سرب واحد مساحة تصل إلى خمسة كيلومترات مربعة، وهو ما يفسر حجم الأضرار التي قد يسببها في فترة زمنية قصيرة.
كما أن هذه الأسراب قادرة على الهجرة لمسافات تتجاوز 500 كيلومتر، ويمكنها خلال 24 ساعة فقط أن تلتهم كمية من المزروعات تعادل ما يستهلكه نحو 35 ألف شخص، بما في ذلك الأشجار المثمرة ومختلف أنواع الخضر والفواكه.
وأوضح أن هذه الأسراب غالبا ما تتحرك ليلا، حيث تصل إلى المناطق الزراعية وتلتهم المحاصيل بشكل سريع قبل أن تغادر مع ساعات الصباح الأولى لمواصلة هجرتها نحو مناطق أخرى.
وفي ما يتعلق بالوضع في المغرب، أكد بنرامل أن المملكة تمكنت خلال السنتين الماضيتين من الحد من انتشار الجراد بفضل الجهود التي يبذلها المركز الوطني للرصد المبكر ومكافحة الجراد بأكادير، والذي يقوم بعمليات رصد ومعالجة ميدانية مستمرة.
غير أن جزءا من الجراد كان يضع بيوضه في مناطق الصحراء الكبرى، قبل أن تساعد التساقطات المطرية التي عرفتها الصحراء المغربية والجنوب الشرقي على تهيئة ظروف مناسبة لفقس هذه البيوض وتحولها إلى أسراب، وهو ما تمت ملاحظته بالفعل في عدد من المناطق، من بينها الداخلة والعيون وطانطان وبوجدور وزاكورة.
وأكد المتحدث أن السلطات المختصة تبذل حاليا مجهودات لمواجهة هذا التكاثر والحد من انتشاره، غير أن معالجة الظاهرة بشكل فعال تتطلب، حسب تعبيره، تنسيقا إقليميا حقيقيا بين دول شمال إفريقيا ودول الصحراء الكبرى، لأن الجراد لا يعترف بالحدود، بل ينتقل عبر القارات.
وخلص إلى أن غياب خطط مشتركة ومنسقة يجعل كل دولة تواجه الظاهرة بشكل منفرد، كما هو الحال حاليا في تونس وليبيا والجزائر، معتبرا أن توحيد الجهود الإقليمية يظل السبيل الأكثر فاعلية للحد من مخاطر هذه الآفة.