خلافة أخنوش تدخل مرحلة الحسم والحزب يعيش لحظات سياسية حاسمة

يسود داخل التجمع الوطني للأحرار مناخ غير مسبوق من الغموض والترقب، مع اقتراب انتهاء الآجال القانونية لإيداع الترشيحات لخلافة عزيز أخنوش، دون أن يطفو أي اسم إلى السطح.

خمسة أيام فقط تفصل الحزب عن إغلاق باب الترشيح، ومع ذلك تبدو هياكله التنظيمية وكأنها خارج دائرة القرار، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة القيادة الحزبية، وحدود الديمقراطية الداخلية، ومن يتحكم فعلياً في مفاتيح السلطة داخل “حزب الدولة” الجديد.

هذا الصمت لا يمكن فصله عن التحولات التي عرفها الحزب منذ صعوده السريع إلى قيادة الحكومة.

فالتجمع الذي بُني على منطق التدبير والكفاءة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار سياسي خالص: انتقال القيادة في لحظة قوة لا في لحظة هزيمة. في الأعراف الحزبية المغربية، غالباً ما يكون الانسحاب من الزعامة نتيجة إخفاق انتخابي أو تصدع تنظيمي، لا تتويجاً لمسار ناجح. لذلك، فإن قرار أخنوش التنحي، والحال أن حزبه يقود الحكومة ولا يزال رقماً صعباً في معادلة 2026، يفتح الباب أمام تأويلات تتجاوز الخطاب الرسمي حول “تداول النخب”.

المعطيات المتداولة خارج الإطار التنظيمي تشير إلى أن الاسم المرشح لخلافة أخنوش قد يكون من داخل الفريق الحكومي الحالي، ومن الوجوه التي التحقت بالمشهد السياسي من بوابة الحكومة لا من رحم الحزب. إن صحّ هذا السيناريو، فنحن أمام إعادة إنتاج لمنطق “التعيين السياسي” داخل حزب يُفترض أنه واضح المرجعيات التنظيمية. وهو ما قد يعمّق شعور فئات واسعة من المناضلين بأن القرار لا يُصنع داخل المؤسسات، بل في دوائر ضيقة، تُدار بمنطق الدولة أكثر مما تُدار بمنطق الحزب.

في المقابل، تشتغل اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي بوتيرة منتظمة، محاولة ضبط الإيقاع التنظيمي لهذا الاستحقاق، غير أن هذا الجهد التقني لا يخفي التوتر السياسي الكامن. فهناك تخوفات حقيقية من أن يؤدي الإعلان المفاجئ عن اسم الزعيم الجديد إلى تصدعات داخل الفريق النيابي، خاصة في ظل حديث متزايد عن استقطاب تقوم به أحزاب منافسة استعداداً لانتخابات 2026. هذه الهواجس تعكس هشاشة الانتماء الحزبي حين يغيب الوضوح السياسي، وتغلب البراغماتية الانتخابية على الالتزام التنظيمي.

أما موقف أخنوش نفسه، فيبدو مزدوجاً. فمن جهة، أصرّ على احترام النظام الداخلي، ورفض تعديل عدد الولايات، في رسالة موجهة إلى الداخل والخارج مفادها أن الحزب لا يريد تكريس الزعامة الأبدية. ومن جهة ثانية، يَصعُب تصور انسحاب كامل لرئيس حكومة من الحزب الذي أسسه سياسياً، خاصة في ظل حديث عن دعم “من وراء الستار” لخليفته. هذا التناقض يعكس معضلة أوسع في التجربة الحزبية المغربية: كيف يمكن لزعيم قوي أن يغادر دون أن يظل حاضراً بثقله السياسي والرمزي؟

سياسياً، يمكن قراءة ما يجري داخل التجمع الوطني للأحرار باعتباره محاولة لإعادة التموضع قبل استحقاقات حاسمة.

فاختيار خليفة من داخل الحكومة قد يكون رهاناً على الاستمرارية والحد من المفاجآت، لكنه في الآن نفسه قد يفرغ شعار “تجديد النخب” من مضمونه، ويعزز الانطباع بأن الحزب يدار بعقلية تقنية أكثر منها سياسية. كما أن وضع مسافة بين رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب، إن تحقق فعلاً، قد يفتح سيناريو غير مألوف في التجربة المغربية، عنوانه فصل نسبي بين السلطتين التنفيذية والحزبية داخل نفس التنظيم.

ومهما تكن الخلفيات الحقيقية لقرار أخنوش، فإن ما يحدث يسلط الضوء على سؤال جوهري: هل التجمع الوطني للأحرار حزب مؤسسات أم حزب أشخاص؟ الجواب لن يُحسم في الكواليس، بل في طريقة تدبير لحظة الخلافة، ومدى قدرة الحزب على إقناع قواعده والرأي العام بأن التداول ليس مجرد إجراء شكلي، بل اختيار سياسي واعٍ. وفي انتظار ذلك، يبقى المؤتمر الاستثنائي محطة مفصلية، ليس فقط لمستقبل “الحمامة”، بل لشكل الممارسة الحزبية في مغرب ما قبل 2026.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *