في خضم تصعيد إعلامي متكرر، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عن ما سمّته “الحصيلة العملياتية” للجيش خلال الأسبوع الأول من يناير 2026، مرفقة أرقاما ومعطيات حاولت من خلالها الزج بالمغرب في قضايا التهريب والجريمة العابرة للحدود. غير أن قراءة متأنية لهذا البلاغ تكشف أن الأمر لا يعدو أن يكون حلقة جديدة في مسلسل اتهامات باطلة، تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتصدير الأزمات الداخلية التي تعيشها الجزائر نحو الخارج، وعلى رأسه المغرب.
ففي كل مرة تتفاقم فيها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل الجزائر، من تضخم وبطالة واحتقان اجتماعي، تلجأ السلطة في قصر المرادية إلى خطاب تقليدي يقوم على اختلاق “عدو خارجي” وصناعة شماعة جاهزة لتحويل أنظار الرأي العام عن الإخفاقات المتراكمة. والمغرب، بحكم استقراره وتقدمه الدبلوماسي والاقتصادي، يصبح الهدف الأسهل في هذا الخطاب، رغم غياب أي أدلة ملموسة أو مساطر قانونية دولية تثبت صحة هذه الادعاءات.
اللافت أن البلاغ العسكري الجزائري، بدل أن يعكس نجاحا مؤسساتيا في محاربة التهريب أو الهجرة غير النظامية باعتبارها ظواهر إقليمية معقدة، اختار توجيه أصابع الاتهام بشكل مباشر للمغرب، في محاولة مكشوفة لإقحامه في أزمات داخلية تعود جذورها إلى فشل السياسات الاقتصادية والأمنية داخل الجزائر نفسها، خاصة في المناطق الحدودية التي تعاني التهميش وغياب التنمية.
ويرى متابعون أن هذا الخطاب العدائي يعكس، في العمق، حالة ارتباك تعيشها دوائر القرار في الجزائر، وخوفا واضحا من المغرب الذي راكم انتصارات متتالية في مختلف الميادين، سواء على مستوى الدبلوماسية الدولية، أو تعزيز شراكاته الاقتصادية، أو ترسيخ استقراره الداخلي. هذا التقدم المغربي بات مصدر إزعاج حقيقي لقصر المرادية، الذي يجد نفسه عاجزا عن مجاراة هذه الدينامية، فيلجأ إلى الكذب السياسي والتضليل الإعلامي.
كما يعتبر محللون أن تواتر مثل هذه البلاغات يهدف بالأساس إلى إبعاد الأنظار عن الاحتجاجات الصامتة والغضب الاجتماعي المتنامي داخل الجزائر، حيث تتزايد الأسئلة حول مصير الثروات، وغياب العدالة الاجتماعية، وانسداد الأفق السياسي. وبدل فتح نقاش داخلي صريح ومسؤول، تختار السلطة منطق الهروب إلى الأمام عبر تصدير أزماتها وخلق توتر إقليمي مصطنع.
وفي مقابل هذا الخطاب، يواصل المغرب التزامه بسياسة ضبط النفس، والتعامل مع مثل هذه الادعاءات بمنطق المسؤولية، معتمدا على مؤسسات قوية وتعاون أمني إقليمي ودولي مشهود له بالفعالية. وهو ما يجعل الاتهامات الجزائرية، في نظر العديد من المراقبين، فاقدة للمصداقية، ومجرد محاولة يائسة للتغطية على أزمة داخلية عميقة، بدل معالجتها من جذورها.