الجهوية المتقدمة كرافعة للسياسة الخارجية المغربية

الجهوية المتقدمة كرافعة للسياسة الخارجية المغربية: دراسة في دور نجاعة المرفق العمومي في تفعيل المبادرة الملكية نحو الأطلسي.

بقلم خولة بجطو

مقدمة:

يعتبر الإصلاح الإداري وعصرنة المرافق ألية لتخليق الحياة العامة، فكلما كانت الإدارة أكثر مرونة وفعالية كلما زادت قدرتها على احتواء الشركاء الأفارقة وتقديم حلول مؤسساتية تجعل من المغرب شريكا لا غنى عنه في صياغة مستقبل القارة.

بالعودة إلى التاريخ نلاحظ أن قوة المغرب الخارجية امتداد لقوته الداخلية، إذ يشكل الاستقرار الداخلي حجر الزاوية في العقيدة الاستراتيجية المغربية، إذ يؤكد التاريخ المغربي أن فاعلية الدور الخارجي تظل رهينة بصلابة التماسك الداخلي.

بدأت الإدارة المغربية من نمط الدولة التقليدية، يحكمها السلطان والتي كانت تتأسس على بنية المخزن والبيعة والشرعية الكاريزمية، حيث اتسم العمل الإداري بالبساطة والتركيز على الوظائف الجبائية والعسكرية لضبط الأمن وصولا إلى الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المؤسسات الدستورية والتدبير الديمقراطي العقلاني والجهوية المتقدمة، حيث أصبحت الإدارة جهازا تقنيا معاصرا يسعى لتوفيق بين الأصالة التاريخية ومتطلبات الحكامة وتنمية الشأن العام.

منذ سنة 788 انتقل مسار الإدارة من الضبط والسيادة وصولا إلى إدارة التنمية والخدمة العمومية التي تتأسس على مبادئ اللاتمركز الإداري، إذ تجسد الخطب الملكية السامية منذ تولي جلالة الملك محمد السادس الحكم سنة 1999 توجه استراتيجي متطور انتقل بالجهوية من خيار ديمقراطي إلى ورش هيكلي يضع المواطن في صلب التنمية.

ففي بدايات العهد الملكي ركزت الخطب على ترسيخ الجهوية كأداة لتنمية الاقتصادية والاجتماعية لتتطور لاحقا مع خطاب 2010 والخطب التي تلته نحو الجهوية المتقدمة والتدبير الحر واللاتمركز الإداري.

تؤكد هذه الخطب مجتمعة على أن الجهة ليست أداة لتقييم الاداري، بل هي فضاء لديمقراطية ورافعة لنموذج التنموي الجديد مع التشديد المستمر على ضرورة التكامل بين الجهات وتحقيق العدالة المجالية كضمانة أساسية لاستقرار المملكة.

فالخطابات الملكية عبرت مسارا انطلق بمرحلة التأسيس ما بين 1999-20ّ08 مرورا بمرحلة التحول النوعي خطاب يناير 2010 ثم مرحلة التنزيل الدستوري مرحلة ما بعد 2011.

هذا الإصلاح الإداري هو جسر يسعى من خلاله المغرب إلى تقريب الإدارة من المواطن، والتدبير الناجع والفعال، وخلق الثروة، والعدالة المجالية، وهي في ذات الوقت ألية دبلوماسية، وامتداد لفعالية المرفق إلى دول الجوار، فالإدارة المسؤولة قادرة على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، والتدبير الفعال للكوارث البيئية، سيخول للمغرب مكانة بالعمق الافريقي، عبر اكتساب الخبرة في إدارة الازمات وتحويل التجربة إلى سلعة تسويقية.

فالساحل لا يحتاج إلى مقاربات عسكرية، إنما يحتاج إلى مقاربة تنموية بيئية وأمنية، والخبرة قادرة على تقزيم القوة العسكرية، فالانتصار الأعظم هو الذي يصنع عن طريق السلام وليس بالقواعد العسكرية التي تضمن لك سيطرة مؤقتة على المعادن وانقلاب واحد قادر على أنهاء هذا النفوذ.

 

إن جوهر النفوذ المغربي في الساحل ليس رهينا بالترسانة العسكرية، بل بمدى قدرة المغرب في تصدير نموذجها الإداري، فالإصلاح الإداري ليس مجرد توجيهات ملكية داخلية، بل ترتيبات عابرة للحدود، حيث تتحول إدارة الازمات إلى محرك للذكاء الجيوسياسي، قادر على تدبير الأزمات المعقدة وتقديمها كنموذج رائد للقارة، وبذلك تصبح المرافق مفتاح القوة الناعمة التي تعزز مكانة المغرب، وتحويل الكفاءة إلى آلية لتأثير.

فبدلا من اعتبار الجهوية المتقدمة مجرد تنظيم إداري، يمكن طرحها كمنصة تشغيل للمبادرة الأطلسية، فنجاحها يعتمد على قدرة الجهة خصوصا الأقاليم الجنوبية على أن تكون أقطابا اقتصادية مستقلة، قادرة على التفاعل المباشر مع دول الساحل، حيث يجب أن نشتغل على تطوير الجهة من مستقبل للقرارات إلى قطب دبلوماسي واقتصادي، إن تفعيل المقتضيات القانونية للتعاون اللامركزي المواد 80-85 من القانون التنظيمي 111.11 يسمح بتحويل الأقاليم الجنوبية من مجرد وحدات إدارية إلى فواعل في الدبلوماسية الاقتصادية، هنا تصبح الجهوية المتقدمة هي الضمانة المؤسساتية لنجاح المبادرة الأطلسية بتنسيق مع المركز.

أرى الإدارة كركيزة لتعزيز النفوذ بالساحل، فهي بنية تحتية سيادية تجمع الخبرة، وبالتالي تصديرها عبر القنوات الدبلوماسية.

فالمغرب باعتباره بلدا افريقيا مجاورا لدول الساحل، والعمق الافريقي باعتباره امتداد للأقاليم الجنوبية، نحن قادرون على صناعة الفرق رغم أن المنطقة مسرحا لنفوذ الدولي.

كيف لا وقد بقي الاقتصاد المغربي صامدا أمام أزمات متعددة ومتسلسلة، بداية جائحة كوفيد مرورا إلى زلزال الحوز ثم الجفاف الذي دام سبعة سنوات، وأخيرا فيضانات القصر الكبير، وقد استطاع المغرب بإمكانياته إدارة الازمات بفعالية، هنا يمكننا تحويل التجارب إلى أداة استراتيجية، خصوصا أن دول الساحل تعاني من أزمات بنيوية متشابهة تعكس وحدة المصير.

ترتكز خطة العمل على بناء النفوذ المغربي في العمق الافريقي عبر تحويل النموذج الوطني إلى حزمة حلول سيادية متكاملة، تبدأ من تصدير إدارة الموارد المائية النادرة، وتقنيات التحلية والربط بين الأحواض لمواجهة أثار الجفاف، عبر مشاريع الممرات المائية السيادية، محطات تحلية داخلية ببعد افريقي، المغرب يعتمد حاليا سياسة الربط بين الأحواض من خلال نقل المياه من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق، بفضل استراتيجية تهدف لإنتاج 1.3 مليار متر مكعب من الماء المحلى، تحول المغرب من دولة تعاني ندرة مائية إلى خزان للخبرة التقنية لما لا يتحول هذا التوجه الوطني إلى بعد إقليمي، وتسويقه لدول الساحل تحت اسم مبادرة الصمود المائي، هذا يعطي انطباعا أن المغرب ينقل الخبر وتكنولوجيا التدبير وليس الماء كفائض مادي، فمن صمد أمام جفاف دام لسبع سنوات لن يفشل في إدارة دلتا النيجر، وبحيرة التشاد، ونهر فولتا.

مبادرة الأطلسي لا يجب أن تركز على سياسة الموانئ المفتوحة، بل العمل على تقديم النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، حيث اعتمد المغرب سياسة متكاملة لمحاربة التطرف حيث جاء اصلاح مدونة الاسرة بعد أحداث 16 ماي 2003، وكان هذا الإصلاح قد قطع الطريق عن الفكر المتطرف الذي يتغدى على انغلاق المجتمع وهضم حقوق الطفل والمرآة، حيث رسخ هذا الإصلاح تكريس قيم العدالة والحداثة والمساواة والاعتدال داخل الاسرة باعتبارها المكون الأساسي للمجتمع، مما يمنع البيئة الاسرية أن تصبح بؤرة للفكر الراديكالي.

كما قام المغرب بإعادة هيكلة الحقل الديني واعتبر المغرب أن الأمن الروحي هو أساس الأمن الفكري وسلامته، وذلك عبر حصر الفتوى في المجلس العلمي الأعلى لقطع الطريق عن التطرف والفكر الجهادي السلفي.

بالإضافة إلى تكوين الائمة عبر مؤسسة محمد السادس للمرشدين والمرشدات، لنشر المذهب الملكي الوسطي، وهو ما ينشره المغرب بالساحل الافريقي من خلال الدبلوماسية الروحية عبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الافارقة.

فالمغرب اعتمد منهجية فعالة، جعلت الجهاز الأمني المغربي قطب دولي يحجز مراتب الصدارة في مؤشرات الإرهاب الدولية كبلد خال من الإرهاب، وذلك باعتماد مقاربة تنموية تركز على الاسرة والعقل والدين والبنية التحتية كملاعب القرب والكرامة من خلال المبادرة الوطنية لتنمية البشرية، وإعادة تكوين ضحايا الإرهاب من خلال التأطير، والتكوين، والعلاج النفسي…

كما قام المغرب بمحاربة مدن الصفيح، وعيا منه أن الهشاشة بؤرة للإرهاب والتهميش وقود يستخدمه المتطرفون لتجنيد شبابنا. فاستهداف الدولة الاحياء المهمشة وإعادة تهيئتها بمشاريع سوسيو-اقتصادية لتجفيف بؤر التجنيد.

هذه السياسة لمحاربة الإرهاب هي اليوم علامة تجارية التي يحملها المغرب في الحقائب الدبلوماسية نحو دول الساحل، ونخبرهم أن الامن يبدأ من النهوض بالأسرة وليس من خلال شراكات عسكرية لا تؤدي إلا إلى نتائج عكسية.

وفي الختام ان المبادرة الأطلسية هي ثمرة مسار مغربي متفرد، بدأ بتحصين المجتمع وتجفيف منابع التطرف، وكرس عن طريق الإدارة خبرة جعلت من تحديات الجفاف والفيضانات رصيدا من المعرفة التقنية، واليوم تتحول هذه الخبرة إلى آلية دبلوماسية ناعمة، تمنح دول الساحل نموذجا ملهما في الحكامة والصمود، لتصبح المبادرة الأطلسية جسرا للسيادة المشتركة وتحويل الفراغ الجيوسياسي إلى أقطاب تنموية تربط استقرار القارة بالريادة المغربية.

المقالات المرتبطة