أثار إطلاق وزارة العدل لمنصة المسطرة الغيابية نقاشا واسعا داخل الأوساط القانونية والحقوقية بالمغرب، بين من يعتبرها خطوة في اتجاه تحديث الإدارة القضائية وتسريع مساطرها عبر اعتماد الرقمنة، وبين من يرى أنها تطرح إشكالات مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة وحماية المعطيات الشخصية للمتقاضين.
ويأتي هذا الجدل في سياق التحول الرقمي الذي تعرفه منظومة العدالة، حيث تسعى الوزارة إلى اعتماد أدوات رقمية لتدبير التبليغات المرتبطة بالأحكام الغيابية، في مقابل تحذيرات من انعكاسات نشر معطيات شخصية مرتبطة بأشخاص صدرت في حقهم أحكام دون حضورهم، وما قد يترتب عن ذلك من تأثير على قرينة البراءة والخصوصية.
وفي هذا السياق، قال يونس آيت الطالب، محام بهيئة مراكش، إن الوزير عبد اللطيف وهبي كان قد تحدث منذ البداية عن رغبته في إحداث قطيعة مع الأحكام الغيابية وإيجاد حل لإشكال التبليغ، عبر اعتماد العنوان المضمن في بطاقة التعريف الوطنية باعتباره مسكن المتهم أو المبلغ إليه. غير أنه، يضيف المتحدث، “بمجرد صدور مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد ظهر إلى العلن اعتماد منصة خاصة بالأحكام الغيابية”.
وأوضح المحامي أن الأحكام في الأصل أحكام علنية، إذ يسمح للعموم بحضور جلسات المحاكم ومعاينة النطق بالأحكام داخل قاعات الجلسات، غير أن الواقع العملي بالمغرب كان يجعل نطاق هذه العلنية محصورا داخل قاعة المحكمة، حيث يتم النطق بالحكم وتنتهي الإجراءات داخل الفضاء القضائي نفسه.
وأضاف أن نشر الأحكام عبر منصة رقمية يجعل العلاقة بين المحكمة والمتهم علاقة علنية خارج فضاء المحكمة، بحيث يصبح بإمكان أي شخص الاطلاع على الحكم دون الحاجة إلى حضور الجلسة أو انتظار النطق به.
وأشار آيت الطالب إلى أن المنصة تتضمن معطيات شخصية عديدة مرتبطة بالأشخاص المعنيين، مثل الاسم واسم الأب والأم ورقم بطاقة التعريف الوطنية، معتبرا أن إتاحة هذه البيانات للعموم يطرح إشكالا يتعلق بقرينة البراءة وحماية المعطيات الشخصية، خاصة وأن الحكم الغيابي يصدر في الأصل دون مناقشة القضية بحضور المعني بالأمر أو دفاعه، وغالبا ما يستند إلى محضر الضابطة القضائية.
وأضاف المتحدث أن هناك حالات قد يُذكر فيها شخص كشريك في جريمة ويصدر في حقه حكم غيابي دون الاستماع إليه، وهو ما قد يضعه أمام متابعة جنحية أو جنائية قبل أن يتمكن من تدارك الوضع أو سلوك مساطر الطعن والدفاع عن نفسه.
وأكد أن خروج العلاقة بين المحكمة والمتهم من إطارها الثنائي إلى المجال العلني قد يترتب عنه ضرر يصعب تحديده أو تقديره، سواء على المستوى المادي أو المعنوي.
وختم المحامي تصريحه بالتنبيه إلى أن نظرة المجتمع قد تعتبر الشخص مجرما بمجرد صدور حكم في حقه، وهو ما قد يؤثر على فرصه المهنية والاجتماعية، خصوصا إذا كان اسمه مدرجا في منصة الأحكام الغيابية، مشددا على أن الوزارة تتوفر على الإمكانيات الكفيلة بإيجاد صيغ قانونية لتبليغ الأحكام دون نشر معطيات شخصية قد تمس بخصوصية الأفراد.