حجيرة يحذر من تفاقم العجز التجاري: 69% من واردات المغرب يصعب تقليصها

كشف عمر حجيرة، كاتب الدولة لدى وزير الصناعة والتجارة المكلف بالتجارة الخارجية، عن اختلالات بنيوية تواجه المبادلات التجارية للمغرب، في مقدمتها تفاقم العجز التجاري، والتمركز الجغرافي والقطاعي للصادرات، مؤكداً أن الحكومة تتجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات، مع توسيع قاعدة المقاولات المصدرة وتنويع الأسواق الخارجية.

وأوضح حجيرة، خلال جلسة الاسئلة الشفهية بمجلس النواب، أن تحقيق التوازن التجاري يشكل أحد التحديات الرئيسية للاقتصاد الوطني، مشدداً على ضرورة الرفع من حجم الصادرات، والعمل على تعويض جزء من المنتجات المستوردة بمنتجات مصنعة محلياً، خاصة في ظل توفر المغرب على مؤهلات صناعية واستثمارية تسمح بتطوير صناعات جديدة.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن المغرب يتوفر على شبكة من 12 اتفاقية للتبادل التجاري تربطه بنحو 100 دولة، وتتيح له الولوج إلى سوق تضم قرابة ثلاثة مليارات مستهلك، معتبراً أن استثمار هذه الاتفاقيات بشكل أفضل من شأنه تعزيز حضور المنتجات المغربية في الأسواق الدولية.

وأكد أن التجارة الخارجية تواجه سياقاً دولياً معقداً، يتسم بتسارع التحولات التكنولوجية وتنامي أهمية الذكاء الاقتصادي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأزمات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية والإجراءات الحمائية التي تعتمدها بعض الأسواق الدولية، وما يترتب عنها من إعادة تشكيل سلاسل القيمة وارتفاع تكاليف الإنتاج والتبادل التجاري.

وفي معرض تقديمه لأحدث المؤشرات، كشف حجيرة أن حجم المبادلات التجارية للمغرب بلغ نحو 952.4 مليار درهم عند متم غشت 2026، مقابل ما يقارب 1.3 تريليون درهم خلال سنة 2025 كاملة.

وسجلت الصادرات المغربية، خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، ارتفاعاً بنسبة 8.7 في المائة، مقابل زيادة الواردات بنسبة 15.8 في المائة، وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري، نتيجة استمرار نمو المشتريات الخارجية بوتيرة أسرع من المبيعات الموجهة إلى الأسواق الدولية.

وشدد كاتب الدولة على أن العجز التجاري المغربي ليس ظاهرة ظرفية، وإنما يمثل إشكالاً هيكلياً يرتبط بطبيعة الاقتصاد الوطني وحاجياته من الطاقة والمواد الأولية والتجهيزات الصناعية ومدخلات الإنتاج.

وفي هذا السياق، أوضح حجيرة أن نحو 69 في المائة من الواردات المغربية يصعب تقليصها في الظروف الحالية، نظراً لارتباطها بحاجيات أساسية، من قبيل المحروقات والحبوب والآليات الصناعية والمكونات المستعملة في مختلف الصناعات الوطنية.

وأضاف أن تطوير الإنتاج الصناعي الوطني يتطلب بدوره استيراد تجهيزات ومكونات لا يتم تصنيعها محلياً، وهو ما يجعل معالجة العجز التجاري رهينة بتعزيز الاندماج الصناعي ورفع نسبة المكونات المنتجة داخل المغرب.

وكشف المسؤول الحكومي عن وجود مجموعة من المشاريع التي تعتزم الحكومة الاشتغال عليها بتنسيق مع القطاع الخاص، بهدف تصنيع منتجات ومواد يتم استيرادها حالياً، معتبراً أن هذه المقاربة يمكن أن تساهم تدريجياً في تقليص فاتورة الواردات وتحسين الميزان التجاري.

واستحضر، في هذا الإطار، الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب، خصوصاً مشاريع الطرق السيارة والنقل الحضري والمطارات والمنشآت الرياضية المرتبطة بالاستعداد لاحتضان كأس العالم، موضحاً أن هذه المشاريع تفرض استيراد كميات مهمة من المواد والتجهيزات.

وضرب حجيرة مثالاً ببعض المواد المستعملة في تهيئة الملاعب، ومن بينها الرمال المعالجة التي يتم استيرادها من الخارج، متسائلاً عن إمكانية تشجيع المقاولات المغربية على معالجتها وتصنيعها محلياً، بدل الاستمرار في استيراد آلاف الأطنان منها.

وعلى مستوى التطور الصناعي، أبرز كاتب الدولة أن المغرب انتقل، خلال العقود الماضية، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الأولية إلى قاعدة صناعية تنتج وتصدر سلعاً ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وأشار إلى أن المنتجات الصناعية أصبحت تمثل نحو 87 في المائة من الصادرات المغربية، مؤكداً أن القطاع الصناعي يوفر أزيد من مليون منصب شغل، ويشكل رافعة أساسية لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.

واعتبر حجيرة أن المغرب أصبح يحتل موقعاً متقدماً في التصنيع على المستوى الإفريقي، مستحضراً تصدره مؤشر التصنيع الإفريقي الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، والذي يقيس الأداء الصناعي والتنافسية ومقومات التصنيع.

وفي ما يتعلق بصناعة السيارات، أكد المسؤول الحكومي أن نسبة الإدماج المحلي بلغت حوالي 70 في المائة في السيارات المصنعة بالمغرب، بفضل تطور منظومة صناعية تضم نحو 250 شركة مغربية وأجنبية متخصصة في إنتاج مكونات السيارات.

وأوضح أن المغرب لم يعد يقتصر على تجميع السيارات، بل أصبح يصنع نسبة مهمة من أجزائها محلياً، إلى جانب تطوير صناعات مرتبطة بالمحركات والبطاريات، بما يعزز القيمة المضافة الوطنية ويقلص الاعتماد التدريجي على المكونات المستوردة.

كما توقف عند التطور الذي عرفته صناعة الطيران، مشيراً إلى ارتفاع صادرات هذا القطاع بنسبة 23 في المائة إلى غاية نهاية غشت، ومبرزاً مساهمة الكفاءات والمهندسين المغاربة في تطوير الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع.

وفي المقابل، كشف حجيرة عن ثلاثة اختلالات رئيسية تحد من الاستفادة الكاملة من الإمكانات التصديرية للمملكة.

ويتعلق الاختلال الأول بالتمركز الجغرافي للصادرات، إذ أكد أن نحو 85 في المائة من الصادرات المغربية تتركز في المحور الممتد بين طنجة والجديدة، مقابل مساهمة محدودة لباقي الجهات، وهو ما يستدعي توسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية لتشمل مختلف مناطق المملكة.

أما الاختلال الثاني، فيرتبط بالتركيز الجغرافي للأسواق الخارجية، حيث أوضح أن حوالي 70 في المائة من الصادرات المغربية تتجه نحو أوروبا، خصوصاً فرنسا وإسبانيا، الأمر الذي يجعل تنويع الشركاء والأسواق أحد الرهانات الأساسية للمرحلة المقبلة.

ويرتبط الاختلال الثالث بالتركيز القطاعي، إذ أشار إلى أن ستة قطاعات فقط تستحوذ على نحو 92 في المائة من الصادرات المغربية، ما يبرز الحاجة إلى تطوير قطاعات تصديرية جديدة وعدم الاقتصار على الأنشطة الصناعية والتجارية التقليدية.

وكشف حجيرة كذلك عن تفاوت كبير بين المقاولات المصدرة، موضحاً أن 10 في المائة فقط من المقاولات تحقق نحو 90 في المائة من قيمة الصادرات، وهو ما يعكس، بحسب عرضه، محدودية مشاركة النسيج المقاولاتي الوطني في النشاط التصديري.

وفي هذا الإطار، أعلن المسؤول الحكومي عن توجه لتمديد برنامج التجارة الخارجية 2025-2027 إلى غاية سنة 2031، مع إضافة برامج ومبادرات جديدة تستهدف تعزيز الصادرات، وتشجيع المقاولات على الانفتاح على الأسواق الدولية، وتحسين تنافسية المنتجات المغربية.

وأكد أن الرفع من الصادرات لا يقتصر أثره على توفير العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، بل يساهم أيضاً في خلق فرص الشغل، ورفع رقم معاملات المقاولات، وتطوير جودة المنتجات الوطنية حتى تستجيب للمعايير المعتمدة في الأسواق العالمية.

كما أبرز أهمية مداخيل الخدمات والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في دعم موارد المملكة من العملة الصعبة، مشيراً إلى أن تنويع هذه الموارد يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.

وخلص حجيرة إلى أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من الاكتفاء بتسجيل تطور الصادرات إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي تواجه التجارة الخارجية، عبر توسيع قاعدة المقاولات المصدرة، وتنويع الأسواق والقطاعات، وتشجيع الاستثمار الصناعي المحلي.

وشدد على أن تقليص العجز التجاري يظل أحد الأوراش الأساسية التي تعتزم الحكومة مواصلة الاشتغال عليها خلال الولاية الحالية، من خلال شراكة أكبر مع القطاع الخاص، وتسريع إنجاز المشاريع الصناعية القادرة على تعويض جزء من الواردات وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *