يتجدد الجدل السياسي حول تدبير ملف المحروقات في المغرب، في أعقاب النقاش الذي أثاره موقف الفريق الاستقلالي بمجلس المستشارين بخصوص مقترحي قانون يتعلقان بتحديد الأسعار وإمكانية إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” عبر خيار التأميم، وهو موقف أعاد فتح ملفات اقتصادية حساسة مرتبطة بتوازنات المالية العمومية وأثر قرارات سابقة على الوضع الحالي.
في هذا السياق، برز موقف حزب الاستقلال باعتباره متسقا مع منطق حماية الاستقرار المالي للدولة وضمان استمرارية البرامج الاجتماعية الكبرى، حيث شدد الحزب على أن العودة إلى دعم المحروقات عبر آليات المقاصة من شأنها أن تضع عبئا إضافيا على الميزانية العامة، في ظرفية تتطلب توجيه الموارد نحو تعزيز ورش الحماية الاجتماعية وتوسيع أثره.
ويستند هذا التوجه، وفق ما أوضحه الحزب، إلى قراءة واقعية لتداعيات السياسات العمومية في قطاع الطاقة، مع التأكيد على أن أي تراجع نحو نماذج دعم سابقة سيعيد إنتاج اختلالات مالية سبق تجاوزها، وهو ما يضع مسؤولية الحفاظ على توازنات الدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
وفي تفاعله مع الانتقادات، ذكّر حزب الاستقلال بأن قرار تحرير أسعار المحروقات تم اتخاذه خلال فترة قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة، معتبرا أن هذا التحول كان له أثر مباشر على بنية السوق وعلى الأسعار التي يتحملها المواطنون اليوم، ما يجعل من الطبيعي فتح نقاش حول نتائجه بدل الاكتفاء بتحميل الأطراف الحالية تبعاته السياسية، معتبرا أن تسقيف الأسعار والعودة إلى دعم المحروقات يهددان استدامة الدعم المباشر للأسر الفقيرة والدولة الإجتماعية، وهو ما لقي إشادة من رواد منصات التواصل الاجتماعي.
في المقابل، جاء رد حزب العدالة والتنمية متشبثا بالدفاع عن خياراته السابقة، غير أن مبرراته أعادت، بحسب مراقبين، تأكيد المنطق نفسه الذي يثير الجدل اليوم، حيث دافع عن إصلاح نظام المقاصة باعتباره موجها أساسا نحو ترشيد الدعم وتحويله إلى الفئات الهشة، وهو توجه لم يمنع في نهاية المطاف من ارتفاع كلفة المعيشة وتوسع الفوارق الاجتماعية.
ويرى متتبعون أن هذا التبرير يعزز وجاهة مقاربة حزب الاستقلال التي تربط بين القرارات الاقتصادية الكبرى ونتائجها الملموسة على المواطنين والمالية العمومية، بدل الاكتفاء بخطاب تبريري يفتقر، بحسبهم، إلى تقييم شامل لمخرجات السياسات السابقة في قطاع استراتيجي مثل الطاقة.
وفي سياق متصل، نفى حزب العدالة والتنمية أي علاقة له بالانتقادات التي وُجهت لموقف حزب الاستقلال داخل مجلس المستشارين، مؤكدا أن مواقفه تعلن عبر قنواته الرسمية، غير أن الجدل السياسي المستمر يعكس، في نظر متابعين، أن ملف المحروقات ما يزال واحدا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في المشهد السياسي والاقتصادي الوطني.