الديمقراطيون يطاردون أغلبية الكونغرس وترامب يستعد للمواجهة

تتجه الأنظار في الولايات المتحدة، غدا الثلاثاء، إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي تشكل محطة سياسية بارزة في منتصف الولاية الرئاسية لدونالد ترامب، وسط منافسة محتدمة بين الجمهوريين والديمقراطيين على السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في استحقاق قد يعيد رسم موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية ويحدد هامش تحرك البيت الأبيض خلال العامين المتبقيين من الولاية.

 

ويشارك في هذا الاستحقاق نحو 210 ملايين ناخب أمريكي، لاختيار 435 عضوا في مجلس النواب، و35 عضوا من أصل 100 في مجلس الشيوخ. وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجمهوريين يتوفرون حاليا على أغلبية محدودة في المجلسين، بينما يسعى الديمقراطيون إلى استعادة السيطرة على المؤسسة التشريعية، بما يسمح لهم بمراقبة أداء الإدارة الأمريكية والتأثير في أجندتها السياسية والاقتصادية.

 

وتجرى انتخابات التجديد النصفي كل سنتين، بالتزامن مع مرور نصف الولاية الرئاسية الممتدة لأربع سنوات، وتشمل تجديد جميع مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. كما ينظر إليها باعتبارها محطة لتقييم أداء الرئيس وسياساته، وفرصة أمام الناخبين للتعبير عن مواقفهم من حصيلة إدارته منذ وصوله إلى البيت الأبيض.

 

وبحسب مختبر الانتخابات التابع لجامعة فلوريدا، تجاوز عدد الأمريكيين الذين أدلوا بأصواتهم مبكرا، حضوريا أو عبر البريد، 52 مليون ناخب، في رقم قياسي مقارنة بالانتخابات النصفية السابقة، التي سجلت مشاركة نحو 46 مليون شخص قبل يوم الاقتراع سنة 2022. ومن المرتقب أن تبدأ النتائج الأولية في الظهور مساء الثلاثاء، وسط ترقب لما ستكشف عنه صناديق الاقتراع بشأن مستقبل الأغلبية داخل الكونغرس.

 

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين في عدد من المنافسات المرتبطة بمجلس النواب، في وقت لا تزال فيه المعركة على مجلس الشيوخ مفتوحة على احتمالات متعددة، بالنظر إلى تقارب المنافسة في عدد محدود من الولايات. ويحتاج الديمقراطيون إلى انتزاع أربعة مقاعد إضافية في كل من المجلسين لتغيير موازين الأغلبية الحالية، التي تبلغ 218 مقعدا مقابل 214 في مجلس النواب، و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ.

 

ولم تقتصر حدة التنافس على البرامج الانتخابية، بل امتدت إلى حجم الإنفاق المالي على الحملات، الذي ناهز 11 مليار دولار، مع مساهمة واسعة لأصحاب الثروات الكبرى في تمويل المرشحين والإعلانات السياسية. وكان الملياردير إيلون ماسك، الحليف المقرب من ترامب، من بين أبرز الداعمين للمرشحين الجمهوريين، بعدما ضخ مبالغ كبيرة في حملاتهم الانتخابية.

 

كما اتسمت الحملة بخطاب سياسي حاد وتبادل للاتهامات بين المعسكرين، إذ كرر ترامب هجماته على عدد من المرشحين الديمقراطيين، من بينهم عبدول السيد، مرشح الحزب لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الذي وصفه الرئيس الأمريكي بعبارات مثيرة للجدل، من بينها نعته بـ”الجهادي”.

 

وبالتوازي مع احتدام السباق الانتخابي، تتزايد المخاوف بشأن احتمال رفض بعض الجمهوريين الاعتراف بنتائج الاقتراع في حال خسارة مرشحيهم، خصوصا في ظل التجربة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية لعام 2020، عندما رفض ترامب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن، ودفع باتجاه الطعن في النتائج.

 

معركة على صلاحيات البيت الأبيض

 

وتتجاوز أهمية هذه الانتخابات تحديد تركيبة الكونغرس إلى انعكاساتها المباشرة على قدرة ترامب على تنفيذ برنامجه خلال النصف الثاني من ولايته. ففوز الديمقراطيين بأحد المجلسين أو كليهما سيمنحهم أدوات تشريعية ورقابية أوسع، من بينها تعطيل عدد من مشاريع القوانين، وفتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة الأمريكية، فضلا عن التأثير في قرارات الإنفاق والميزانية الفدرالية.

 

وفي المقابل، سيظل ترامب محتفظا بصلاحياته التنفيذية في مجالات التجارة والسياسة الخارجية وتدبير أجهزة الحكومة الفدرالية، حتى في حال فقدان الجمهوريين أغلبيتهم التشريعية. وقد أقر الرئيس الأمريكي بإمكانية مواجهة صعوبات في تمرير أجندته، مشيرا إلى أنه قد يلجأ بكثافة إلى استخدام حق النقض الرئاسي «الفيتو» إذا انتقلت السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، قائلا إنه قد يصبح «السيد فيتو».

 

وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية أن مسؤولين في البيت الأبيض أمضوا أشهرا في إعداد سيناريوهات بديلة تحسبا لفقدان الجمهوريين أغلبيتهم داخل الكونغرس، من خلال تحديد الإجراءات التي يمكن للرئيس اتخاذها اعتمادا على صلاحياته التنفيذية، دون الحاجة إلى موافقة المؤسسة التشريعية.

 

وبحسب مصادر نقلت عنها تقارير إعلامية، يعمل ستيفن ميلر، نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض، وراسل فوت، مدير مكتب الإدارة والميزانية، بتنسيق مع مكتب المستشار القانوني للرئيس، على دراسة تدابير محتملة في ملفات الهجرة والرسوم الجمركية وتكاليف السكن والإنفاق الفدرالي، مع التركيز على الحدود القانونية للقرارات الرئاسية وإمكانية الدفاع عنها أمام القضاء.

 

ولايات تحبس أنفاس الحزبين

 

وتبرز ولاية ميشيغان ضمن أبرز ساحات المواجهة الانتخابية، بعدما شهدت تطورا غير متوقع تمثل في إعلان النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز دعمها للمرشح الجمهوري مايك روجرز، منافس عبدول السيد على مقعد مجلس الشيوخ. وجاء هذا الموقف في سياق توترات داخلية شهدها الحزب الديمقراطي خلال الأيام الأخيرة من الحملة، خاصة بعد إلغاء مشاركة ستيفنز في فعالية انتخابية مشتركة مع السيد.

 

ورغم ذلك، قلل المرشح الديمقراطي من أهمية إعلان زميلته السابقة في الانتخابات التمهيدية دعم منافسه الجمهوري، في وقت تكتسب فيه المنافسة في ميشيغان أهمية بالنظر إلى تأثيرها المحتمل على موازين القوى داخل مجلس الشيوخ.

 

وفي ألاسكا، واجهت إدارة ترامب انتكاسة قضائية بعدما رفض قاض اتحادي دعوى لوزارة العدل كانت ترمي إلى منع المصادقة على نتائج انتخابات مجلس الشيوخ في حال خسارة السيناتور الجمهوري دان سوليفان بفارق ضئيل، بسبب وجود مرشح آخر يحمل الاسم نفسه تقريبا على ورقة الاقتراع.

 

واعتبرت وزارة العدل أن تشابه الاسمين قد يربك الناخبين، بينما رأت المحكمة أن تنفيذ الطلب غير عملي، في قضية أثارت نقاشا بشأن احتمال اللجوء إلى المساطر القضائية للطعن في نتائج بعض المنافسات الانتخابية، خصوصا في الولايات التي تشهد سباقات متقاربة.

 

أما في ولاية كانساس، فقد تحول السباق على مقعد مجلس الشيوخ إلى واحدة من المنافسات التي تحظى باهتمام الحزبين، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تقاربا بين السيناتور الجمهوري روجر مارشال ومنافسه الديمقراطي آدم هاميلتون، رغم التاريخ الانتخابي الذي اتسم بهيمنة الجمهوريين على الولاية.

 

وبلغ الإنفاق الإعلاني على هذه المنافسة أكثر من 84 مليون دولار، فيما دخل ترامب ونائبه جيه دي فانس على خط الحملة لدعم المرشح الجمهوري. وأظهر استطلاع لمؤسسة «إس إس آر إس» لصالح شبكة «سي إن إن» تقدم هاميلتون بنسبة 49 في المائة مقابل 45 في المائة لمارشال، ضمن هامش خطأ يبلغ 4.5 نقاط مئوية.

 

وفي آيوا، شارك ترامب في تجمع انتخابي لدعم مرشحي حزبه، في ظل سعي الجمهوريين إلى الحفاظ على مقاعدهم في مجلس الشيوخ. وشهدت الولاية بدورها تصويتا مبكرا قياسيا بلغ نحو 437 ألف ناخب، بينما تمحور النقاش الانتخابي حول ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، وتأثير التوترات التجارية مع الصين وكندا والمكسيك على المزارعين، إلى جانب تداعيات حرب إيران.

 

وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة في ولاية يعتمد جزء مهم من اقتصادها على النشاط الزراعي والأسواق الخارجية، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي تراجعا في شعبية ترامب بالمناطق الريفية، بعدما بلغت 45 في المائة خلال أكتوبر الماضي، وفق استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس».

 

وهكذا، لا تبدو انتخابات التجديد النصفي مجرد استحقاق دوري لتجديد مقاعد الكونغرس، بل اختبارا سياسيا لمدى استمرار الدعم الشعبي لترامب وسياساته، ومحطة ستحدد طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية خلال العامين الأخيرين من ولايته.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *