لم تعد أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية أواخر يوليوز تُقرأ، وفق تحقيق نشره موقع «ذا كريدل»، باعتبارها مجرد موجة جديدة من محاولات الوصول إلى الأراضي الأوروبية، بل باتت مرتبطة، في قراءة التحقيق، بالتنافس المتصاعد حول مضيق جبل طارق والممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية في غرب أوراسيا. ويرى التحقيق أن تدفق عشرات الآلاف من المغاربة نحو المدينة، بعد تمكنهم من عبور نقاط مراقبة مغربية، قد يكون حمل في حد ذاته رسالة سياسية إلى مدريد حول أهمية الدور الذي يؤديه المغرب في حماية المنطقة وتأمين أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
التحقيق، الذي أعده الكاتب إيسون أثاناسياديس ونشر في 11 غشت الجاري، يعتبر أن مشهد وصول أعداد كبيرة من المغاربة إلى سبتة يكشف، بحسب معدّه، عن اضطراب أوسع في منظومة الأمن العالمية، خصوصاً في ظل تنامي أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية. ويضع التحقيق ما حدث في سبتة ضمن سياق دولي يشهد اضطرابات متزايدة في عدد من نقاط الاختناق البحرية، من مضيق هرمز وباب المندب إلى البحر الأسود والمضائق التركية وقناة السويس، وهو ما يجعل مضيق جبل طارق أكثر أهمية باعتباره حلقة وصل أساسية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.
وفي محاولة لتفسير خلفيات الأزمة، ينقل التحقيق عن ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن احتمال أن تكون السلطات المغربية قد سهّلت ما حدث «كبير جداً»، مع تأكيده أنها ربما لم تكن الجهة التي خططت للعملية. ويشير فابياني إلى أن السلطات المغربية كانت، بحسب المعطيات التي يستند إليها، على علم بالنشاط المتزايد عبر الإنترنت الذي كان يتحدث عن فتح الطريق أمام الراغبين في الوصول إلى سبتة، وأنها أبلغت السلطات الإسبانية بهذا النشاط.
ولا يقدم التحقيق تفسيراً واحداً لدوافع الرباط، بل يطرح مجموعة من الفرضيات المرتبطة بالسياق الإقليمي والدولي. ومن بين هذه الفرضيات استمرار النزاع حول سبتة ومليلية، والتحول الذي طرأ على موقع المغرب في الحسابات الجيوسياسية بفعل تحالفاته وعلاقاته المتنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى تداعيات الحرب في إيران ومواقف إسبانيا من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
ويولي التحقيق أهمية خاصة للموقع الجغرافي لسبتة، باعتبارها تقع على الجانب الإفريقي من مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية التي تتحكم في حركة الملاحة بين الأطلسي والمتوسط. ومع الاضطرابات التي أصابت طرقاً بحرية أخرى، يرى التحقيق أن أهمية المضيق تتزايد، وأن الموقع الذي تحتله سبتة يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز حجمها الجغرافي.
وفي هذا السياق، ينقل التحقيق عن فابياني تأكيده عدم وجود أدلة تسمح بالقول إن الولايات المتحدة أو إسرائيل شاركتا في أزمة سبتة. لكنه يتحدث في المقابل عن حملة تحريض استمرت لأسابيع عبر حسابات إسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع نقاشات داخل الكونغرس الأميركي بشأن وضع سبتة ومليلية.
وتنفي الرباط بشكل واضح أن تكون قد سهّلت وصول المهاجرين إلى سبتة. كما يشير التحقيق إلى أن السلطات المغربية تابعت قضائياً شخصاً واحداً على الأقل من بين مئات المغاربة الذين تحدثوا عن طرق الوصول إلى المدينة. وفي المقابل، عادت الولايات المتحدة لاحقاً إلى تأكيد دعمها «بشكل لا لبس فيه» للسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وذلك بعد الجدل الذي أثاره موقف سابق داخل الكونغرس الأميركي بشأن وضع المدينتين.
أما جاكوب موندي، أستاذ دراسات السلام والصراع في جامعة كولغيت الأميركية، فيستبعد، وفق ما نقله عنه التحقيق، أن تكون الحكومة المغربية مهتمة بإحداث تغيير في الحكومة الإسبانية، بالنظر إلى أن حكومة بيدرو سانشيز تتبنى موقفاً داعماً للمغرب في قضية الصحراء. لكنه يربط التطورات الأخيرة بعوامل أخرى، من بينها موقف مدريد من القضية الفلسطينية والحرب على إيران.
ولا يفصل التحقيق بين أزمة سبتة والتحولات التي شهدها موقع المغرب على خريطة التجارة والملاحة الدولية. فخلال السنوات الأخيرة، عززت المملكة حضورها البحري عبر استثمارات صينية وأميركية وأوروبية، إلى جانب تطوير بنيات مينائية كبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط ومشروع الناظور غرب المتوسط.
ويعتبر التحقيق أن هذه المشاريع، إلى جانب الموقع الجغرافي للمغرب، جعلت المملكة نقطة جذب وتنافس بين قوى دولية كبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. كما أن وجود هذه الموانئ بالقرب من سبتة ومليلية يضيف بعداً اقتصادياً وجيوسياسياً إلى التنافس المغربي الإسباني حول النفوذ في غرب المتوسط.
وعلى الجانب الإسباني، يستند التحقيق إلى تقارير صحافية إسبانية للقول إن الأجهزة الأمنية في البلاد خلصت إلى وجود عناصر مرتبطة بالاستخبارات المغربية بين الحشود التي وصلت إلى سبتة. غير أن الحكومة الإسبانية لم توجه اتهاماً رسمياً للمغرب بتنظيم العملية، واختارت تفسيراً أكثر حذراً، مركزاً على دور شبكات الاتجار بالبشر والتضليل الذي انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى المدينة.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة أحداث ماي 2021، عندما شهدت سبتة تدفقاً استثنائياً للمهاجرين في خضم أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد، اندلعت بعد استقبال إسبانيا لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج على أراضيها. ويرى التحقيق أن تلك الواقعة السابقة ما زالت حاضرة في النقاش الأوروبي حول احتمال استخدام الهجرة كأداة للضغط السياسي.
ويبرز التحقيق أيضاً أن التنافس المغربي الإسباني لم يعد مرتبطاً فقط بالحدود البرية أو بملف سبتة ومليلية، وإنما بات يتقاطع بشكل متزايد مع التنافس على طرق التجارة والموانئ والممرات البحرية. وفي هذا الإطار، يكتسب ميناء طنجة المتوسط ومشروع الناظور غرب المتوسط أهمية خاصة، بالنظر إلى موقعهما القريب من المدينتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية ودورهما المتزايد في حركة التجارة البحرية.
ويربط التحقيق بين هذه التطورات وبين التحولات التي تعرفها طرق الملاحة العالمية، خصوصاً في ظل استمرار التوترات التي تؤثر على مضيق هرمز وباب المندب ومناطق أخرى من طرق التجارة الدولية. ووفق هذه القراءة، فإن اضطراب هذه المسارات يرفع من القيمة الاستراتيجية لمضيق جبل طارق، ويمنح الدول المطلة عليه أهمية أكبر في حسابات القوى الدولية.
ويخصص التحقيق جانباً مهماً للعلاقات المغربية الإسرائيلية والأميركية، معتبراً أن التقارب الذي شهدته السنوات الأخيرة بين الرباط وواشنطن وتل أبيب ساهم في تعزيز الموقع الجيوسياسي للمغرب. ويشير في هذا الصدد إلى استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية وانضمام المملكة إلى «اتفاقات أبراهام»، وما رافق ذلك من تطور في التعاون بين البلدين.
كما يتوقف التحقيق عند التعاون العسكري والأمني المغربي الإسرائيلي، بما في ذلك التدريبات المشتركة والتعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار والحرب الإلكترونية. ويضع هذه العلاقات ضمن سياق أوسع من التنافس حول الأمن البحري وطرق الطاقة والتجارة في منطقة البحر المتوسط.
لكن التحقيق لا يقدم صورة أحادية عن هذا التحول، إذ يستحضر أيضاً مواقف لعدد من المحللين المغاربة الذين ينتقدون جوانب من السياسة الخارجية والأمنية للمملكة. ويربط هؤلاء، وفق ما أورده التحقيق، بين تنامي الطموحات الجيوسياسية للمغرب وبين استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع أعداداً من الشباب المغاربة إلى البحث عن فرص خارج البلاد، بما في ذلك محاولة الوصول إلى أوروبا.
وفي المحصلة، يخلص تحقيق «ذا كريدل» إلى أن أزمة سبتة الأخيرة لا ينبغي، وفق قراءته، أن تُفصل عن التحولات التي يشهدها محيط مضيق جبل طارق وغرب المتوسط. فالموقع الاستراتيجي للمضيق، وتطور البنية المينائية المغربية، وتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب الحضور الإسرائيلي المتنامي في المنطقة، كلها عوامل تجعل من سبتة ومليلية والموانئ المحيطة بهما جزءاً من معادلة جيوسياسية تتجاوز بكثير ملف الهجرة وحده.
ومع ذلك، تظل فرضية وجود دور مغربي في تسهيل موجة الوصول إلى سبتة محل نفي من جانب الرباط، كما أن السلطات الإسبانية لم توجه اتهاماً رسمياً للمغرب بتنظيم العملية. لذلك، فإن الربط الذي يقدمه التحقيق بين أزمة الهجرة والتنافس الجيوسياسي حول مضيق جبل طارق يظل قراءة تحليلية تستند إلى مجموعة من المعطيات والتصريحات، وليس إثباتاً رسمياً لمسؤولية جهة محددة عن أحداث يوليوز.