أرقام محرجة تكشف حصيلة مجلس النواب خلال خمس سنوات

لم تنجح كثافة الأسئلة البرلمانية والمبادرات التشريعية خلال الولاية التشريعية الحادية عشرة في ترجمة الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب إلى نتائج تتناسب مع حجم النشاط المسجل، بعدما بقي أكثر من نصف الأسئلة الموجهة إلى الحكومة دون جواب، فيما لم تتجاوز نسبة المصادقة على مقترحات القوانين 3.72 في المائة، مقابل مصادقة المجلس على الغالبية الساحقة من مشاريع القوانين الحكومية.

 

وتكشف حصيلة رصدتها جمعية «سمسم-مشاركة مواطنة»، في تقرير صدر خلال أكتوبر 2026 حول أداء مجلس النواب خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026، عن اختلالات في التفاعل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب محدودية مساهمة البرلمان في المبادرة التشريعية، وتراجع عدد النصوص القانونية المصادق عليها مقارنة بالولايتين السابقتين، فضلا عن غياب لجان تقصي الحقائق طوال الولاية المنتهية.

 

وبحسب المعطيات التي اعتمدها التقرير، والمحيّنة إلى غاية 5 غشت 2026، بلغ مجموع الأسئلة الكتابية والشفوية الموجهة إلى الحكومة 50 ألفا و333 سؤالا، لم تتم الإجابة عن 26 ألفا و493 منها، أي ما يعادل 52.6 في المائة من مجموع الأسئلة، وهو ما يضع فعالية آليات الرقابة البرلمانية ومدى تجاوب الحكومة معها في صلب النقاش بشأن حصيلة المؤسسة التشريعية.

 

وتبرز الفجوة بشكل أوضح عند التمييز بين نوعي الأسئلة، إذ سجلت الأسئلة الشفوية أعلى معدلات عدم الإجابة، مقابل استجابة أكبر للأسئلة الكتابية، في وقت ينص فيه الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب على آجال محددة لتفاعل الحكومة مع المبادرات الرقابية للنواب.

 

في تفاصيل الحصيلة الرقابية، أحصى التقرير توجيه 18 ألفا و240 سؤالا شفويا إلى الحكومة خلال الولاية التشريعية الحادية عشرة، لم تتم الإجابة إلا عن 3969 منها، بنسبة استجابة بلغت 21.76 في المائة، مقابل بقاء 14 ألفا و271 سؤالا دون جواب، أي ما يمثل 78.24 في المائة من مجموع الأسئلة الشفوية.

 

أما الأسئلة الكتابية، فقد بلغ عددها 32 ألفا و93 سؤالا، أجابت الحكومة عن 19 ألفا و871 منها، بنسبة 61.92 في المائة، بينما ظلت 12 ألفا و222 سؤالا دون جواب، بما يعادل 38.08 في المائة.

 

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من ارتباطها بالمقتضيات المؤطرة للرقابة البرلمانية، إذ ينص الفصل 100 من الدستور والمادة 275 من النظام الداخلي لمجلس النواب على وجوب تقديم الحكومة أجوبتها عن الأسئلة البرلمانية داخل أجل عشرين يوما من تاريخ إحالتها عليها، وهو ما يجعل استمرار آلاف الأسئلة دون جواب مؤشرا على محدودية التفاعل مع إحدى أبرز الأدوات الرقابية المتاحة للنواب.

 

وعلى مستوى التوزيع السياسي للأسئلة الكتابية، سجل التقرير تقدّم فرق المعارضة التي استأثرت بـ63.21 في المائة من مجموع الأسئلة، مقابل 36.79 في المائة لفرق الأغلبية. وتصدر الفريق الحركي القائمة بـ6197 سؤالا، متبوعا بالفريق الاشتراكي بـ5387 سؤالا، ثم المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بـ5027 سؤالا.

 

غير أن توزيع الأسئلة الشفوية أظهر صورة مغايرة، إذ تقدمت فرق الأغلبية بنسبة 66.04 في المائة من مجموعها، مقابل 33.96 في المائة للمعارضة. كما استحوذت أسئلة الأغلبية على 69.72 في المائة من الأجوبة الحكومية المسجلة، مقابل 30.28 في المائة لأسئلة المعارضة، وهي أرقام تعكس توزيع الأجوبة بين الطرفين، ولا تعني بالضرورة اختلاف معدل الاستجابة لكل منهما.

 

ورصد التقرير، في السياق ذاته، تفاوتا في تفاعل القطاعات الحكومية مع الأسئلة البرلمانية، إذ لم تتجاوز نسبة الإجابة عن الأسئلة الكتابية الموجهة إلى رئيس الحكومة 6 في المائة، بينما بلغت 19.51 في المائة بالنسبة إلى كتابة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية، مقابل نسب أعلى لدى قطاعات حكومية أخرى.

 

على المستوى التشريعي، أظهرت الحصيلة استمرار هيمنة الحكومة على إنتاج النصوص القانونية التي حظيت بمصادقة مجلس النواب، مقابل محدودية إقرار مقترحات القوانين التي يتقدم بها البرلمانيون، بما يطرح تساؤلات بشأن موقع المبادرة التشريعية البرلمانية في الممارسة الفعلية لاختصاصات المؤسسة.

 

وصادق المجلس على 237 مشروع قانون تقدمت بها الحكومة، من أصل 273 مشروعا أحيلت عليه خلال الولاية التشريعية، بنسبة مصادقة بلغت 86.81 في المائة. وفي المقابل، لم تحظ بالمصادقة سوى 18 مبادرة تشريعية برلمانية، من أصل 484 مقترح قانون، أي بنسبة لم تتجاوز 3.72 في المائة.

 

وبلغ مجموع النصوص القانونية المصادق عليها خلال الولاية 255 نصا، استأثرت مشاريع القوانين الحكومية بـ92.94 في المائة منها، مقابل 7.06 في المائة لمقترحات القوانين. كما سحبت الحكومة ستة مشاريع، بينما ظل 30 مشروعا دون مصادقة المجلس.

 

وتوزعت مقترحات القوانين التي لم تحظ بالمصادقة بين 78 مقترحا جرى رفضها، منها 46 خلال الجلسات العامة و32 داخل اللجان البرلمانية، فيما بقيت 388 مبادرة أخرى دون مصادقة، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

 

وعلى مستوى المبادرة التشريعية، تصدر الفريق الحركي الفرق والمجموعات النيابية من حيث عدد مقترحات القوانين المقدمة، بـ144 مقترحا، يليه الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بـ109 مقترحات، ثم المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بـ68 مقترحا.

 

ولا يقتصر التراجع، بحسب التقرير، على محدودية المصادقة على المبادرات البرلمانية، بل يشمل أيضا الحصيلة الإجمالية للنصوص القانونية التي أقرها المجلس. فقد انخفض العدد إلى 255 نصا، مقابل 337 نصا خلال الولاية التشريعية العاشرة و383 نصا خلال الولاية التاسعة، مسجلا تراجعا بنحو 24 في المائة مقارنة بالولاية السابقة.

 

ومن بين النصوص المصادق عليها، احتلت مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على الاتفاقيات الدولية حيزا مهما، بعدما بلغ عددها 90 نصا، أي ما يعادل 35.29 في المائة من مجموع الحصيلة التشريعية.

 

وتكشف هذه المعطيات عن تفاوت واضح بين حجم المبادرات التي يتقدم بها النواب والنتائج التي تنتهي إليها داخل المؤسسة التشريعية، في مقابل استمرار تقدم المشاريع الحكومية، وهو ما يجعل تعزيز موقع البرلمان في اقتراح القوانين أحد أبرز التحديات التي تطرحها حصيلة الولاية الحادية عشرة.

 

وسجل التقرير تفاوتا في مستوى حضور النواب خلال جلسات المصادقة على النصوص القانونية، بما يثير الانتباه إلى مدى انخراط أعضاء المجلس في ممارسة الاختصاص التشريعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص يفترض أن تحظى بنقاش ومشاركة واسعين.

 

وبلغ الحضور أعلى مستوياته خلال التصويت على مشروع قانون المالية لسنة 2022 في القراءة الأولى، بمشاركة 273 نائبا ونائبة، أي ما يعادل 69.11 في المائة من أعضاء المجلس.

 

في المقابل، لم يتجاوز عدد المشاركين في جلسة المصادقة على مشروع القانون رقم 03.25 المتعلق بهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة 46 نائبا ونائبة، بنسبة حضور بلغت 11.65 في المائة، وهي أدنى نسبة سجلها التقرير ضمن جلسات التصويت التي شملها الرصد.

 

ويعكس هذا التفاوت اختلاف مستويات المشاركة في المصادقة على النصوص القانونية، رغم أن التشريع يشكل إحدى الوظائف الدستورية الأساسية لمجلس النواب، ويقتضي انخراط أعضائه في دراسة القوانين ومناقشتها والتصويت عليها.

 

وفي الجانب المتعلق بآليات الرقابة البرلمانية، سجل التقرير عدم إحداث أي لجنة نيابية لتقصي الحقائق خلال الولاية التشريعية الحادية عشرة، رغم ما تتيحه هذه الآلية الدستورية من إمكانية للتحقيق في وقائع محددة أو في كيفية تدبير المؤسسات والمقاولات والمرافق العمومية.

 

وفي المقابل، أحدثت اللجان النيابية الدائمة 11 مهمة استطلاعية مؤقتة تناولت ملفات اجتماعية واقتصادية مختلفة. غير أن التقرير رصد عدم نشر تقارير أربع مهام منها على الموقع الإلكتروني لمجلس النواب، ويتعلق الأمر بوضعية معاهد الأنكولوجيا، وواقع المطاعم المدرسية، ومساهمة برنامج «فرصة» في إنعاش عرض الشغل بالمغرب، إضافة إلى وضعية الفضاءات والمراكز التخييمية بعد إغلاقها.

 

ويمتد الرصد إلى مجال تقييم السياسات العمومية، حيث أحصى التقرير إحداث 11 مجموعة عمل موضوعاتية تناولت قضايا من بينها السياسة المائية، وإصلاح الإدارة، ومحاربة الأمية، والذكاء الاصطناعي، والانتقال الطاقي، ومخطط المغرب الأخضر.

 

كما عقد مجلس النواب ثلاث جلسات عامة لمناقشة أربعة تقارير لتقييم السياسات العمومية، في حصيلة تبرز تنوع الملفات التي تناولتها المؤسسة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول مدى انتظام آليات التقييم والرقابة، وشفافية نشر نتائجها وإتاحتها أمام المواطنين.

 

تضارب الأرقام بشأن التعهدات الحكومية

 

ومن بين الملاحظات التي أثارها التقرير، وجود تفاوت بين المعطيات المنشورة على المواقع الرسمية بشأن عدد التعهدات التي أعلنتها القطاعات الحكومية خلال جلسات الأسئلة الشفوية، بما يصعب عملية تتبع الالتزامات الحكومية والتحقق من مدى الوفاء بها.

 

ففي الوقت الذي سجل فيه الموقع الرسمي لمجلس النواب 2738 تعهدا حكوميا، أورد الموقع الرسمي للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان 1339 تعهدا فقط، بفارق يصل إلى 1399 تعهدا بين المصدرين.

 

واعتبر التقرير أن هذا التباين يستدعي توضيح نطاق المعطيات المعتمدة وتوحيد منهجية جمعها وعرضها، بما يضمن إمكانية تتبع التعهدات الحكومية وتقييم مدى تنفيذها استنادا إلى بيانات دقيقة ومتطابقة.

 

وتقدم حصيلة جمعية «سمسم-مشاركة مواطنة» صورة متعددة الأبعاد عن أداء مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الحادية عشرة، تجمع بين كثافة المبادرات الرقابية والتشريعية من جهة، ومحدودية الإجابة عن الأسئلة البرلمانية وضعف المصادقة على مقترحات القوانين وغياب لجان تقصي الحقائق من جهة أخرى.

 

وتعيد هذه المؤشرات طرح سؤال الفعالية البرلمانية، ليس فقط من زاوية عدد الأسئلة والمقترحات والنصوص المصادق عليها، بل أيضا من حيث قدرة المؤسسة التشريعية على ضمان تجاوب الحكومة مع أدوات الرقابة، وتوسيع مساهمة النواب في إنتاج القوانين، وتعزيز الشفافية في تقييم السياسات العمومية وتتبع الالتزامات الحكومية.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *