تشهد العلاقات الدولية والتحولات الدبلوماسية المتعلقة بملف الصحراء المغربية تحديات جديدة تتطلب من الدولة إعادة النظر في أساليب إدارة المعلومات والتواصل مع الرأي العام، فالتغيرات السريعة في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي تجعل من الضروري تطوير استراتيجيات تواصلية متقدمة، قادرة على توجيه النقاش العمومي وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وفي هذا السياق، أصبح إشراك المجتمع المدني والفاعلين الإعلاميين والسياسيين جزءا أساسيا من أي سياسة دبلوماسية فعالة، بما يضمن قدرة الدولة على حماية مصالحها، ومواجهة الضغوط الخارجية، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية، على مستوى التفاوض الدولي.
وفي قراءة نقدية يطبعها الوضوح والجرأة، أكد الخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين، أن تدبير وزارة الخارجية المغربية لملف الصحراء ما زال محكوما بعقلية قديمة، تعتمد على الاحتفاظ بالمعلومة كمصدر للسلطة، موضحا أن هذه العقلية لم تعد متناسبة مع الواقع الرقمي الراهن، حيث أصبحت سرعة انتشار المعلومات وارتباط العالم شبكيا يتطلب شفافية مدروسة وتواصل مستمر مع الرأي العام الوطني.
وأوضح نور الدين من خلال مداخلته ببرنامج ” مع الحدث” الذي تبث حلقاته على مواقع “بلبريس” عبر منصتي اليوتوب والفيسبوك، على أن قضية الصحراء المغربية ليست ملفا إداريا يُدار بعيدا عن أعين الشعب، بل هي قضية سيادية تتطلب إشراك الرأي العام عبر تزويده بالمعلومات الرسمية، مشيرا إلى أن تمكين المواطنين من المعطيات الأساسية يخلق “جبهة داخلية” داعمة للمفاوض المغربي، تمنحه قوة إضافية أمام الضغوطات الخارجية ويعزز موقفه التفاوضي.
وأبرز الخبير قدرة الإعلام على التأثير في موازين القوى، مستحضرا تجربة الصحافة الأمريكية في فضيحة Watergate scandal التي أثرت في مسار الحكم، مؤكدا أن القنوات الوطنية والمنصات الرقمية يجب أن تمنح فضاءات أكبر للنقاش حول سيناريوهات الحكم الذاتي وحدود التفاوض، لأن هذا النقاش لا يضعف الموقف الرسمي، بل يقويه ويزيد من فعالية المفاوض المغربي.
أوضح نور الدين أن تمكين المفاوض من معلومات دقيقة عن توجهات الرأي العام والمجتمع المدني والأحزاب يمنحه ورقة ضغط قوية في غرفة التفاوض، مشيرا بذلك إلى أن تغييب الجامعة والإعلام والأحزاب عن النقاش يترك المفاوض وحيدا أمام الضغوطات الدولية والخصوم الإقليميين، ما يقلل من فعالية موقفه ويضعف قوته التفاوضية.
وأكد نور الدين الخبير في العلاقات الدولية أن المرحلة الراهنة، بما تحمله من رهانات إقليمية ودولية، تفرض إعادة النظر في فلسفة التواصل الدبلوماسي المغربي، والانتقال من “التعتيم الشامل” إلى “الشفافية المدروسة” هو السبيل الأمثل لحماية المصالح العليا للدولة، وتعزيز الثقة مع الرأي العام، وتحويل الجبهة الداخلية إلى قوة داعمة وليست مجرد متفرجة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية للمملكة.