المغرب يرسخ التحول الرقمي عبر شراكة استراتيجية مع مجموعة AXA

شهدت الرباط، اليوم، محطة جديدة في مسار تقاطع السياسات العمومية مع التحولات التكنولوجية، من خلال توقيع اتفاقية شراكة جمعت ثلاث قطاعات حكومية بمجموعة AXA، في خطوة تعكس توجهاً متسارعاً نحو إعادة تشكيل منظومة الكفاءات الرقمية بالمغرب. الحدث لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل حمل دلالات استراتيجية مرتبطة بإعادة تموقع الدولة في سباق الاقتصاد الرقمي، وتعزيز رصيدها من المهارات المرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي.

الاتفاقية، التي أشرفت عليها وزارة الصناعة والتجارة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، تندرج ضمن سياق أوسع يتصل بتنزيل التوجيهات الملكية الداعية إلى تثمين الرأسمال البشري وتسريع التحول الرقمي.
ويأتي هذا التقاطع بين القطاعات الحكومية وفاعل دولي بحجم مجموعة AXA ليؤكد انتقال النقاش من مستوى التشخيص إلى مستوى بناء أدوات عملية لتأهيل الموارد البشرية، في ظل تنامي الطلب على كفاءات متخصصة في مجالات ذات كثافة تكنولوجية عالية.

وتحمل مضامين الاتفاقية مؤشرات واضحة على إدراك مؤسساتي لطبيعة التحولات التي يشهدها سوق الشغل، حيث تركز على استشراف الحاجيات المستقبلية في تخصصات مثل الأمن السيبراني، علوم البيانات، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، DevOps واختبارات البرمجيات. هذا التوجه يعكس تحولا في فلسفة التكوين، من نماذج أكاديمية تقليدية إلى مقاربات أكثر ارتباطاً بالديناميات الصناعية والتكنولوجية، بما يحد من فجوة المهارات التي ظلت لسنوات أحد أبرز تحديات قابلية تشغيل الخريجين.

كما تكشف الاتفاقية عن رهانات تتجاوز التكوين الأساسي، عبر إدماج التكوين بالتناوب وتطوير برامج للتكوين المستمر، وهو ما يعكس وعياً متنامياً بكون المهارات الرقمية لم تعد مكتسبة نهائياً، بل تخضع لدورات تحديث متواصلة تفرضها سرعة الابتكار التكنولوجي. ويبرز في هذا الإطار حضور البحث والتطوير كأحد محاور التعاون، بما يشي بمحاولة ربط الجامعة بمحيطها الإنتاجي وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.

اختيار مجموعة AXA كشريك في هذا المسار لم يأت بمعزل عن اعتبارات مرتبطة بتموقعها في السوق المغربية، ليس فقط كفاعل في قطاع التأمين، بل أيضاً كمؤسسة منخرطة في الخدمات التكنولوجية وتدبير البيانات. هذا البعد يمنح الاتفاقية بعداً عملياً، إذ يتيح نقل خبرات صناعية وتكنولوجية إلى فضاءات التكوين، ويؤسس لنموذج شراكة يقوم على تلاقي المصالح بين احتياجات السوق وأولويات السياسات العمومية.

ومن زاوية مؤسساتية، يجسد توقيع الاتفاقية من قبل رياض مزور وعز الدين الميداوي وأمل الفلاح السغروشني، إلى جانب مسؤولي AXA، مؤشراً على تصاعد منطق الالتقائية بين القطاعات الحكومية في الملفات المرتبطة بالتحول الرقمي. فالرقمنة لم تعد ملفاً قطاعياً معزولاً، بل تحولت إلى رافعة عرضانية تمس الصناعة والتعليم والإدارة والبحث العلمي، وهو ما يفرض نماذج جديدة للحكامة والتنسيق.

 

كما يبرز في خلفية الاتفاقية حضور مفهوم «AI Made in Morocco» كإطار مرجعي يعكس طموحاً وطنياً نحو بناء منظومة ذكاء اصطناعي يتم تطويرها والتحكم فيها محلياً. ويعكس هذا التوجه رهانات تتصل بالسيادة التكنولوجية وتقليص التبعية للمنصات والحلول الخارجية، في سياق عالمي يتسم بتنافس حاد حول البيانات والخوارزميات والبنيات الرقمية.

وتوسيع دائرة المؤسسات المعنية، عبر تعبئة الجامعات العمومية ومدارس عليا من قبيل المدرسة المركزية بالدار البيضاء والمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ومدارس الفنون والمهن، يشير إلى رغبة في إحداث أثر بنيوي داخل منظومة التكوين، بدل الاكتفاء بمبادرات محدودة النطاق. كما يعكس هذا التوجه إدراكاً بأن التحول الرقمي لا يرتبط بتخصصات تقنية ضيقة، بل يمتد إلى مجالات التدبير والهندسة والابتكار.

وفي العمق، تعكس هذه الخطوة محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين التكوين وسوق الشغل، في ظل تحولات اقتصادية متسارعة تفرض مهارات جديدة وتعيد ترتيب أولويات الاستثمار. فالتنافسية الصناعية لم تعد تقاس فقط بالبنيات التحتية أو الامتيازات الجبائية، بل أيضاً بقدرة البلدان على توفير كفاءات مؤهلة وقادرة على التكيف مع بيئات إنتاج رقمية.

إحداث لجنة للتتبع والتقييم يضفي بعداً عملياً على الاتفاقية، ويضعها أمام اختبار التنفيذ والنتائج، خصوصاً في ما يتعلق بمدى قدرتها على تحويل الالتزامات النظرية إلى برامج ملموسة وفرص إدماج مهني فعلية. فنجاح مثل هذه المبادرات يظل رهيناً بمدى استدامتها، وقدرتها على مواكبة التحولات التكنولوجية، وتوفير جسور حقيقية بين المعرفة والاقتصاد.

بهذه الاتفاقية، يبدو أن المغرب يواصل تعزيز رهانه على الرأسمال البشري كمدخل أساسي للتموقع داخل الاقتصاد الرقمي، في مسار يعكس تحولا تدريجياً في أولويات السياسات العمومية، من منطق التحديث الإداري إلى منطق بناء منظومات تكنولوجية متكاملة، يكون فيها الإنسان محوراً والابتكار أداة والسيادة هدفا استراتيجيا.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *