في لحظة دقيقة من مسار قضية الصحراء المغربية، حيث تتقاطع الحسابات الدبلوماسية مع رهانات التنزيل العملي، يبرز النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة وأدواتها، فبعد سنوات من الترافع السياسي والقانوني داخل المحافل الدولية، يبدو أن التحدي ينتقل تدريجيا من تثبيت المواقف إلى كيفية إدارة التفاصيل الدقيقة لأي حل محتمل، خاصة في ظل الاجتماع الأخير حول الصحراء “مدريد” الذي انعقد تحت رعاية أمريكية.
في هذا السياق أكد الدكتور عصام لعروسي الخبير في العلاقات الدولية، أن المرحلة الحالية تقتضي انتقالا واضحا من منطق “الشكليات القانونية” إلى منطق “الخبرة التقنية الميدانية” مشيرا إلى أن الاكتفاء بالمرافعات العامة والخطابات السياسية لم يعد كافيا، بل إن المطلوب اليوم هو تعبئة كفاءات متخصصة قادرة على صياغة حلول عملية وسيناريوهات دقيقة مبنية على منطق العلم والنتائج الملموسة.
ويرى الدكتور عصام لعروسي، من خلال مداخلته أثناء حلوله ضيفا على برنامج “مع الحدث” الذي يبث على منصات “بلبريس” على يوتوب وفيسبوك، أن فن التفاوض لا يختزل في عرض الحجج القانونية أو تثبيت المواقف السياسية، بل يمتد إلى إدارة ملفات تقنية شديدة الحساسية ستفرزها الجولات القادمة، سواء تعلق الأمر بالجوانب الإدارية أو التنموية أو الأمنية.
واعتبر أن نجاح أي مسار تفاوضي، في نظره، مرتبط بمدى الجاهزية لتدبير هذه التفاصيل المعقدة بكفاءة عالية، بعيدا عن المقاربات الشكلية التي تطغى أحيانا على التجارب التفاوضية في المنطقة.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى ما وصفه بـ“نقطة الضعف المشتركة” في المدرسة التفاوضية العربية، والمتمثلة في التركيز على الاتجاهات الشكلية على حساب الاشتغال الميداني العملي، موضحا أن طي هذا النزاع يمر عبر توسيع دائرة الفاعلين لتشمل خبراء في الحكامة الترابية والتخطيط الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية، بما يضمن تحويل مقترح الحكم الذاتي إلى نموذج قابل للتنفيذ ومستدام على أرض الواقع.
وخلص لعروسي بأن المرحلة المقبلة لن تحسم فقط داخل قاعات الاجتماعات أو في ردهات المؤسسات الدولية، بل في القدرة على التحكم في “شيطان التفاصيل” المرتبط بتنزيل الحلول عمليا مؤكدا أن الانتقال إلى مرحلة تقنية بامتياز هو ما سيحدد ملامح التوازنات الجديدة في هذا الملف.