تحل الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء، هذه السنة، في سياق سياسي ودبلوماسي استثنائي، تطبعه تحولات متسارعة في مسار قضية الصحراء المغربية، عقب عدم تجديد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة “المينورسو”، خلال جلسة 30 أكتوبر الماضي، وما أعقب ذلك من إعلان المغرب الانتقال إلى مرحلة جديدة في التعاطي مع قضيته الوطنية، تقوم على تثبيت المكتسبات السياسية والدبلوماسية ومواصلة الدينامية التنموية بالأقاليم الجنوبية.
وتكتسي هذه الذكرى دلالات خاصة في ظل المستجدات الأخيرة، لاسيما بعد إخفاق مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرارين الأمريكي والروسي بشأن مستقبل البعثة الأممية، وبدء إجراءات تصفيتها اعتبارا من فاتح نونبر الجاري، إلى جانب ترؤس الملك محمد السادس، يوم 4 نونبر، جلسة عمل خصصت لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام “المينورسو”، جرى خلالها التأكيد على حماية الوحدة الترابية ومواصلة المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، مع التشبث بالتزامات المملكة الدولية.
وفي قراءة لدلالات هذه المناسبة، اعتبر عصام العروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات ومدير مركز منظورات للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية، أن تخليد الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء يحمل هذه السنة معاني عميقة، بالنظر إلى تزامنه مع تحولات سياسية ودبلوماسية كبرى، تعيد طرح طبيعة المرحلة المقبلة في تدبير ملف الصحراء المغربية.
وأوضح العروسي، في تصريح خص به جريدة “بلبريس”، أن المسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث تاريخي ارتبط باسترجاع الأقاليم الجنوبية، بل شكلت منطلقا لمسيرة متواصلة من البناء والنماء، معتبرا أن دلالاتها تتجدد اليوم في ظل عدم تجديد ولاية بعثة “المينورسو”، وما يواكب ذلك من توجه مغربي نحو تغيير المقاربة المعتمدة في تدبير القضية الوطنية وإعادة صياغة قواعد التعامل مع النزاع.
وأضاف أن هذه التحولات تأتي في سياق الزخم الدبلوماسي الذي راكمته المملكة، من خلال اتساع دائرة الاعترافات والمواقف الدولية الداعمة لمغربية الصحراء المغربية، إلى جانب ما حمله قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 من دعم لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها أساسا للمفاوضات الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع.
واعتبر المتحدث أن القرار الأممي شكل مكسبا سياسيا ودبلوماسيا مهما، غير أنه لم يترجم إلى إجراءات تنفيذية وحلول عملية تفضي إلى تنزيل نموذج الحكم الذاتي، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة تطرح ضرورة الانتقال من تثبيت المرجعية السياسية للحل إلى البحث في آليات تفعيلها على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، توقف العروسي عند تداعيات استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، موضحا أن الفيتو حال دون اعتماد المشروع الذي كان من شأنه إحداث تحول في طبيعة الحضور الأممي، لكنه أفضى، في المقابل، إلى وضع جديد تمثل في انتهاء ولاية “المينورسو”، بعدما لم يتمكن مجلس الأمن من اعتماد قرار بديل لتمديد مهامها.
وسجل أن النقاشات التي رافقت إعداد المشروع الأمريكي، بما فيها المقترحات المرتبطة بإعادة النظر في حجم البعثة وتسميتها، عكست تحولا في التعامل مع وظائفها الأصلية، وخاصة ما يتعلق بالاستفتاء، الذي ظل حاضرا في تسميتها منذ إحداثها سنة 1991.
وفي تقديره، فإن انتهاء مهمة البعثة يفتح المجال أمام معركة سياسية ودبلوماسية جديدة، تستند إلى المكتسبات التي حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها المرجعية الأساسية التي ينبغي أن تؤطر المرحلة المقبلة.
وربط الخبير هذه التطورات بالمضامين التي حملتها بلاغات الديوان الملكي، وبجلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام البعثة الأممية، معتبرا أن الرسائل الصادرة عن هذه المحطات تؤكد أهمية التلاحم الداخلي واستمرار البناء، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تدبير المرحلة الجديدة.
وشدد العروسي على أن المسيرة الخضراء تتواصل اليوم بصيغة أخرى، تتمثل في مسيرة التنمية وإعداد العنصر البشري وإنجاز المشاريع الكبرى بالأقاليم الجنوبية، فضلا عن تعزيز ارتباط هذه المناطق بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارات والشراكات الاستراتيجية التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي.
وأبرز أن استحضار روح المسيرة الخضراء لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالحدث التاريخي، بل يتعين أن يمتد إلى تعزيز المكتسبات التنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل الأقاليم الجنوبية فضاء للاستثمار والتكامل الاقتصادي والانفتاح على المحيط الإفريقي.
وعلى المستوى الداخلي، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية أن المرحلة الراهنة تستدعي إعادة التفكير في مفاهيم الانسجام والتناغم الوطنيين، وخاصة على مستوى تدبير الشؤون المحلية، مبرزا أن الأقاليم الجنوبية قدمت، في تقديره، نماذج مهمة في التعبير عن الانتماء الوطني وممارسة الديمقراطية المحلية.
واستدل في هذا الصدد بمشاركة ساكنة الأقاليم الجنوبية في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، وبالتجربة التي راكمتها المؤسسات المنتخبة في تدبير الشأن المحلي، معتبرا أن هذه المظاهر تعكس استمرار التأثير السياسي والرمزي للمسيرة الخضراء في ترسيخ الاندماج الوطني.
وأكد العروسي أن توحيد الجبهة الداخلية يشكل إحدى المقدمات الأساسية لتعزيز قوة الموقف المغربي خارجيا، موضحا أن التماسك الوطني لا ينفصل عن بناء سردية مغربية متماسكة وقادرة على مواجهة الأطروحات المناوئة للوحدة الترابية للمملكة.
وفي هذا الإطار، دعا إلى إعداد مقاربات جديدة تستجيب لطبيعة التحولات الراهنة، مع الاعتماد على أطر وكفاءات قادرة على استيعاب المتغيرات السياسية والدبلوماسية وتدبير المرحلة المقبلة بعقلانية ورؤية استراتيجية واضحة.
واعتبر أن الانتقال نحو تفعيل الحكم الذاتي يستدعي كذلك التفكير في بدائل وآليات جديدة خارج الإطار التقليدي الذي ارتبط ببعثة “المينورسو”، مشيرا إلى أن البعثة ظلت، منذ إحداثها سنة 1991، مرتبطة بمرجعية الاستفتاء، رغم تعثر هذا المسار وعدم تمكن الأمم المتحدة من تنظيمه.
وأضاف أن الصعوبات التي واجهت المسار الأممي، وخاصة خلال الفترة الممتدة بين 1991 و2004، أظهرت محدودية المقاربة القائمة على تنظيم الاستفتاء وبأنها غير ممكنة، معتبرا أن التطورات اللاحقة دفعت نحو البحث عن حلول سياسية أكثر واقعية، في وقت واصلت فيه الدبلوماسية المغربية تحقيق مكاسب على المستويين السياسي والدبلوماسي.
وفي المقابل، رأى العروسي أن الممارسة الأممية ظلت، خلال مراحل متعددة، محكومة بالغموض والالتباس، ولم تتمكن من توفير الشروط الكفيلة بالتوصل إلى حل نهائي، رغم التحولات التي عرفتها موازين الدعم الدولي للموقف المغربي.
وخلص الخبير إلى أن المعارك السياسية والدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، سواء على مستوى تعزيز التنمية والاندماج داخل الأقاليم الجنوبية أو على صعيد توسيع الدعم الخارجي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وأكد أن نجاح هذه المرحلة يظل مرتبطا بالقدرة على تحويل التلاحم الداخلي إلى قوة دبلوماسية مؤثرة، وتقديم تصور واضح للحكم الذاتي يقوم على صلاحيات موسعة وتدبير جهوي فعال، بما يسهم في إقناع مختلف الأطراف والشركاء الإقليميين والدوليين بجدوى المقاربة المغربية.
واعتبر أن الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء تمثل، بهذا المعنى، محطة لاستحضار المكاسب التاريخية واستشراف تحديات المستقبل، في ظل انتقال المملكة من معركة استرجاع الأرض إلى مواصلة معركة البناء والتنمية وتثبيت المكتسبات السياسية والدبلوماسية.
ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي محمد شقير أن المسيرة الخضراء شكلت، منذ انطلاقها سنة 1975، محطة مفصلية في تكريس الإجماع الوطني حول قضية الوحدة الترابية، وأسهمت في استرجاع الأقاليم الجنوبية التي ظلت، لعقود، خاضعة للاستعمار الإسباني، وما رافقه من تهميش وتأخر في البنيات الأساسية، قبل أن تشهد تحولات تنموية وعمرانية واسعة جعلت من مدنها مراكز حضرية عصرية.
وأوضح شقير، في تصريح لجريدة “بلبريس”، أن مدن العيون والداخلة وبوجدور والسمارة شهدت تطورا ملحوظا على مستوى التجهيزات الأساسية، من شبكات الصرف الصحي وتوزيع الماء والكهرباء إلى البنيات الطرقية والمرافق الحضرية، معتبرا أن هذه المنجزات مكنت الأقاليم الجنوبية من التوفر على تجهيزات لا تزال بعض مدن المملكة ومناطقها تعاني من الخصاص فيها، خاصة في المجالات الإدارية والصحية.
وأبرز المتحدث أن الدينامية التنموية بالأقاليم الجنوبية تعززت بإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، إلى جانب مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُرتقب أن يشكل قطبا اقتصاديا ولوجستيا مهما على المستوى الإفريقي، فضلا عن التحول الذي تعرفه مدينة الداخلة، التي أصبحت وجهة سياحية تستقطب اهتماما دوليا متزايدا.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أكد شقير أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي راكمت مكاسب سياسية مهمة، تعززت بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتبره تكريسا لواقعية المقترح المغربي، في ظل الدعم الذي يحظى به من قوى دولية وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية.
وأشار في السياق ذاته إلى أن افتتاح عدد من الدول الإفريقية والعربية وغيرها قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة يعكس تطور الحضور الدبلوماسي الداعم للموقف المغربي، ويعزز المكاسب التي حققتها المملكة على صعيد تثبيت سيادتها على أقاليمها الجنوبية.
وخلص شقير إلى أن التطورات الأخيرة التي أفضت إلى عدم تمديد ولاية بعثة “المينورسو” تشكل، في تقديره، تحولا إضافيا في مسار القضية الوطنية، من شأنه تعزيز المكتسبات السياسية والدبلوماسية للمغرب، بالتوازي مع استمرار النهضة التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، والتي اعتبرها أحد أبرز تجليات المسار الذي أطلقته المسيرة الخضراء قبل 51 سنة.