صرح نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، اليوم الخميس بالدار البيضاء، أن حماية القدرة الشرائية للأسر المغربية أصبحت من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، وذلك خلال افتتاح أشغال اللقاء الرابع لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين المنظم تحت عنوان “حماية الأسر المغربية من الغلاء التصاعدي للمواد الأساسية: آليات مؤسساتية وإجراءات مواطنة”.
وأكد نزار بركة، في كلمته الافتتاحية، أن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخيرة تعكس حجم الضغوط التي تعيشها الأسر المغربية، مشيرا إلى أن آخر بحث للمندوبية السامية للتخطيط حول مستوى المعيشة أظهر أن 75.1 في المائة من الأسر صرحت بتدهور ظروفها المعيشية خلال الاثني عشر شهرا الماضية، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من دخلها 6.4 في المائة، بينما لا تتوقع 87.8 في المائة من الأسر أن تتمكن من الادخار خلال المستقبل القريب.
![]()
وأوضح بركة أن تراجع القدرة الشرائية يرتبط أساسا بالارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث أصبحت هذه المواد تستحوذ على 38.5 في المائة من إجمالي إنفاق الأسر المغربية، فيما تتجاوز هذه النسبة 45 في المائة لدى الأسر الأكثر هشاشة وفقرا.
وأضاف أن توزيع الإنفاق الغذائي يكشف حجم العبء الذي تتحمله الأسر، إذ تستحوذ اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك على أكثر من 20 في المائة من الميزانية الغذائية، تليها الحبوب ومشتقاتها بنسبة 12.5 في المائة، ثم الطعام والمشروبات المستهلكة خارج المنزل بنسبة 12.8 في المائة، والخضر بحوالي 10.2 في المائة، إلى جانب منتجات الحليب والبيض والدهون التي تمثل جزءا مهما من النفقات اليومية.
![]()
وسجل الأمين العام لحزب الاستقلال أن أسعار عدد من المواد الأساسية شهدت زيادات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء بما يتراوح بين 50 و80 في المائة، والدجاج بنسبة تراوحت بين 40 و90 في المائة، والطماطم بما بين 60 و100 في المائة، وزيت المائدة بما يقارب 50 إلى 90 في المائة.
كما شملت الزيادات المحروقات بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المائة، والحليب بين 15 و30 في المائة، فضلا عن البطاطس التي بلغت الزيادة في أسعارها نحو 75 في المائة، والبصل بنسبة 100 في المائة، والبيض بحوالي 60 في المائة.
وأرجع بركة هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها توالي سنوات الجفاف وتراجع المساحات المزروعة، وارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية، إضافة إلى انخفاض العرض الموجه للسوق الداخلية بسبب تراجع الإنتاج وارتفاع الصادرات في بعض الفترات.
كما انتقد ضعف فعالية أسواق الجملة، مبرزا أن أكثر من 35 في المائة من المنتجات الفلاحية لا تمر عبر هذه الأسواق، وهو ما يحد من قدرتها على لعب دورها في ضبط الأسعار وتنظيم عمليات التسويق.
![]()
وفي السياق ذاته، استند بركة إلى معطيات مجلس المنافسة التي كشفت أن الوسطاء يستحوذون في المتوسط على حوالي 34 في المائة من السعر النهائي للمنتجات الفلاحية، وقد تصل هذه النسبة في بعض الحالات إلى ما يقارب نصف الثمن الذي يؤديه المستهلك، وهو ما ينعكس سلبا على الفلاح والمواطن في الوقت نفسه.
وقال المتحدث إن الإشكال لا يتعلق بفرض مراقبة إدارية مباشرة على الأسعار، وإنما بإصلاح الاختلالات البنيوية داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع، ومحاربة الريع، وتقليص عدد الوسطاء غير المنتجين للقيمة، وتعزيز الشفافية في مسالك التسويق.
وفي هذا الإطار، دعا بركة إلى مراجعة جذرية لمنظومة توزيع المواد الغذائية الأساسية، والاستفادة من التجارب الدولية التي اعتمدت نماذج مؤسساتية حديثة لتنظيم عمليات التجميع والتخزين والتسويق والتوزيع، بما يضمن انتظام التموين ويحُد من المضاربات والزيادات غير المبررة في الأسعار.
كما اقترح التفكير في إحداث شركات وطنية أو جهوية متخصصة في تسويق وتوزيع بعض المواد الغذائية الأساسية، تعمل وفق حكامة شفافة وتعتمد آليات الشراء المباشر من المنتجين والتعاونيات، مع الاستثمار في البنيات اللوجستيكية والتخزين والنقل المبرد، بما يساهم في تقليص الفوارق بين أسعار الإنتاج وأسعار الاستهلاك.
وشدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن تحقيق السيادة الغذائية يمر عبر ضمان تزويد السوق الوطنية بالمواد الأساسية، والاستثمار الأمثل في الموارد المائية، خاصة في ظل التوجه نحو تعزيز قدرات السقي من خلال السدود وتحلية مياه البحر وترشيد استعمال المياه الجوفية.
![]()
وختم بركة كلمته بالتأكيد على أن الهدف هو بناء نموذج اقتصادي يحقق التوازن بين مصالح المنتج والمستهلك، قائلا إن “الثمن العادل ليس ثمنا يرهق الأسرة ولا ثمنا يدفع الفلاح إلى مغادرة أرضه، بل هو الثمن الذي يضمن حقوق الجميع”.
وأضاف أن المغرب بحاجة إلى اقتصاد ينتج الثروة ويوزعها بعدالة، ويحمي كرامة المواطنين، ويعزز السيادة الغذائية للبلاد، معتبرا أن “الفلاح بدخل أفضل، والأسرة بقدرة شرائية أقوى، ووطن بسيادة غذائية أمتن” هو الشعار الذي يجب أن يؤطر المرحلة المقبلة