قبل أسابيع قليلة من انتخابات 23 شتنبر 2026، تبدو دائرة تاوريرت أمام سباق انتخابي لا يحتمل الكثير من الأخطاء، مقعدان فقط يمثلان الإقليم في مجلس النواب، في مقابل تنافس حزبي تعيد تشكيله هذه المرة عودة أسماء سبق أن اختبرت صناديق الاقتراع، وانتقال أخرى بين الألوان السياسية، فضلا عن تاريخ انتخابي يكشف أن بضعة آلاف، وأحيانا مئات الأصوات، كانت كافية لتغيير هوية الفائزين.
وتتوزع المعركة الانتخابية على 14 جماعة ترابية، لكن خصوصية تاوريرت لا ترتبط فقط بمحدودية عدد المقاعد، بل أيضا بصعوبة الحديث عن مواقع حزبية ثابتة داخل الدائرة، بعدما انتقل المقعدان بالكامل من حزبين إلى آخرين بين انتخابات 2016 و2021.
وتكشف خريطة الترشيحات المعلنة إلى حدود إعداد هذا التقرير عن سباق يجمع بين الاستمرارية والتغيير. فحزب التجمع الوطني للأحرار يدخل الانتخابات بإدريس بن جدي وكيلا للائحته، بينما يجدد حزب الأصالة والمعاصرة الثقة في عبد الرحمن السهلي، ويخوض حزب الاستقلال المنافسة بمحمد أزيرار.
ويقود المحجوبي احميدة لائحة حزب العدالة والتنمية، فيما يتصدر محمد ميحيت لائحة حزب التقدم والاشتراكية، ورابح عيناو لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومحمد الحر لائحة الحركة الشعبية.
لكن الأسماء هنا لا تقل أهمية عن الشعارات الحزبية في قراءة التحولات التي تعرفها الدائرة. إدريس بن جدي، الذي سبق أن فاز بالمقعد البرلماني تحت راية حزب الاستقلال، يعود إلى المنافسة هذه المرة على رأس لائحة التجمع الوطني للأحرار، ما يجعل انتخابات 2026 اختبارا جديدا للعلاقة بين الوزن الانتخابي للمرشح وقوة اللون السياسي الذي يخوض به السباق.
وتعيد الانتخابات كذلك أسماء سبق أن قادت لوائحها في اقتراع 2016؛ إذ يعود احميدة محجوبي إلى رأس لائحة العدالة والتنمية، فيما يقود رابح عيناو مجددا لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفي المقابل، تدخل أحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، إلى جانب الأصالة والمعاصرة مقارنة ببعض المحطات السابقة، بأسماء لم تتصدر لوائحها الرئيسية في الدائرة خلال الاستحقاقين السابقين، باستثناء استمرار عبد الرحمن السهلي عن محطة 2021.
هذه الخريطة تكتسب دلالتها أكثر عند العودة إلى ما وقع قبل خمس سنوات. ففي انتخابات 2021، تمكن التجمع الوطني للأحرار من انتزاع صدارة الدائرة بـ13721 صوتا بواسطة لائحته التي قادها الميلود ناصر، متقدما بفارق 558 صوتا فقط عن الأصالة والمعاصرة، الذي حصد 13163 صوتا بقيادة عبد الرحمان سهلي وانتزع المقعد الثاني.
أما حزب الاستقلال، فرغم حصوله على 11452 صوتا بقيادة إدريس جدي، فقد وجد نفسه خارج المقعدين محتلا المرتبة الثالثة، فيما جاء حزب الحركة الشعبية رابعا بـ11065 صوتا بقيادة البشير بوخريص.
وخلف هذه الأحزاب الأربعة، حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 2244 صوتا بقيادة محمد أزلاف، والتقدم والاشتراكية على 1993 صوتا بقيادة عبد المالك مقور، والعدالة والتنمية على 1462 صوتا بقيادة محمد بلباش، ثم الحزب الاشتراكي الموحد بـ771 صوتا بقيادة بوجمعة دغو، والاتحاد الدستوري بـ723 صوتا بقيادة عبد الهادي ملياني.
غير أن صورة 2021 كانت مختلفة جذريا عما أفرزته صناديق الاقتراع سنة 2016. آنذاك، كان حزب الاستقلال هو المتصدر بـ8800 صوت بقيادة إدريس جدي، بينما حصل الاتحاد الدستوري على المقعد الثاني بعدما جمعت لائحته، بقيادة محمد ناصر، 7443 صوتا.
وحلّت الحركة الشعبية ثالثة بـ7251 صوتا بقيادة البشير بوخريص، ثم العدالة والتنمية رابعا بـ6787 صوتا بقيادة احميدة محجوبي، فيما لم يتجاوز الأصالة والمعاصرة المرتبة الخامسة بـ6548 صوتا بقيادة محمد حامد.
وحصل التقدم والاشتراكية آنذاك على 1312 صوتا بقيادة أحمد أزيرار، والاتحاد الاشتراكي على 1278 صوتا بقيادة رابح عيناو، بينما حصد تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي 851 صوتا بقيادة مصطفى لطرش، والتجمع الوطني للأحرار 643 صوتا بقيادة محمد معيزي، وجبهة القوى الديمقراطية 246 صوتا بقيادة محمد أزلاف.
وبين المحطتين، حدث انقلاب كامل في هوية الحزبين الممثلين للدائرة. الاستقلال والاتحاد الدستوري، الفائزان في 2016، خسرا المقعدين في 2021، فيما انتقل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة من خارج دائرة الفوز إلى اقتسام التمثيلية البرلمانية للإقليم.
ويبرز حجم التحول أكثر عند مقارنة الأصوات، فالتجمع الوطني للأحرار قفز من 643 صوتا سنة 2016 إلى 13721 صوتا سنة 2021، بزيادة بلغت 13078 صوتا، بينما ارتفع رصيد الأصالة والمعاصرة من 6548 إلى 13163 صوتا، أي بزيادة 6615 صوتا.
وسجلت الحركة الشعبية بدورها ارتفاعا من 7251 إلى 11065 صوتا، بزيادة 3814 صوتا، كما انتقل الاستقلال من 8800 إلى 11452 صوتا، مضيفا 2652 صوتا إلى رصيده، وارتفع الاتحاد الاشتراكي من 1278 إلى 2244 صوتا، والتقدم والاشتراكية من 1312 إلى 1993 صوتا.
في الاتجاه المعاكس، كان الاتحاد الدستوري أكبر الخاسرين عدديا، بعدما تراجع من 7443 صوتا سنة 2016 إلى 723 صوتا في 2021، بخسارة 6720 صوتا، كما فقد العدالة والتنمية 5325 صوتا، منتقلا من 6787 إلى 1462 صوتا.
ولم تتغير الأرقام وحدها بين الاستحقاقين، بل تغيرت كذلك أسماء وكلاء عدد من اللوائح؛ إذ شهدت أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية تغييرات على مستوى وكلائها، كما انتقل محمد أزلاف من جبهة القوى الديمقراطية إلى الاتحاد الاشتراكي، مقابل حفاظ الاستقلال والحركة الشعبية على وكيلي لائحتيهما خلال المحطتين.
وتجعل هذه السوابق من الرصيد الانتخابي السابق مؤشرا مهما لفهم الدائرة، لكنه غير كاف للتنبؤ بنتيجة 2026، خصوصا مع انتقال أسماء بين الأحزاب وتغيير أخرى لمرشحيها، بما يضع وزن المرشح والتنظيم الحزبي والقدرة على تعبئة الناخبين داخل معادلة واحدة.
والأرقام نفسها توضح مدى حساسية هذه المعادلة. ففي 2021، لم يتجاوز الفارق بين الأصالة والمعاصرة، صاحب المقعد الثاني بـ13163 صوتا، والاستقلال صاحب المركز الثالث بـ11452 صوتا، 1711 صوتا. كما كان أقل من 2700 صوت يفصل بين أربع لوائح كانت في مقدمة السباق.
ولم تكن انتخابات 2016 أقل تقاربا، إذ بلغ الفارق بين الحزب المتصدر وصاحب المركز الخامس 2252 صوتا فقط، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه انتقال كتلة محدودة من الأصوات من لائحة إلى أخرى.
ويضاف إلى ذلك عامل عدد اللوائح، فإلى حدود المعطيات المتوفرة، جرى الإعلان عن سبع لوائح لخوض انتخابات 2026 بالدائرة، مقابل أكثر من عشر لوائح في كل من استحقاقي 2016 و2021، مع بقاء الباب مفتوحا أمام إعلان ترشيحات إضافية إلى حين انتهاء الأجل القانوني لإيداعها.
وبذلك تدخل تاوريرت انتخابات 23 شتنبر دون أفضلية حسابية مضمونة لأي طرف، فتاريخ الدائرة القريب أثبت أن تصدر استحقاق لا يضمن الاحتفاظ بالمقعد في الاستحقاق الموالي، وأن قوة حزب في محطة قد تتغير جذريا بعد خمس سنوات.