في خطوة تكرس التحول النوعي الذي تشهده الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وفرنسا، وقعت الوكالة الوطنية للموانئ والوكالة الفرنسية للتنمية، أمس الثلاثاء بالرباط، على إعلان مشترك يروم تقديم تمويل ثالث بقيمة إجمالية تبلغ 100 مليون أورو، يخصص لدعم تنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة وتطوير موانئ مستدامة وخضراء.
مما يطرح تساؤلات حول الأبعاد والدلالات الجيو-اقتصادية والدبلوماسية لهذا التمويل الجديد، وخلفياته في ترسيخ الشراكة المغربية الفرنسية بالأقاليم الجنوبية.
في هذا السياق، أكد المحلل السياسي رشيد لزرق أن توقيع الوكالة الوطنية للموانئ والوكالة الفرنسية للتنمية إعلانا مشتركا بشأن تمويل بقيمة 100 مليون أورو يتجاوز في أبعاده مجرد دعم مالي لتحديث البنيات التحتية المينائية، ليعكس تحولا استراتيجيا في طبيعة الشراكة الاقتصادية المغربية الفرنسية، وخاصة في ما يتعلق بتنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وأوضح لزرق من خلال تصريح خص به جريدة “بلبريس” أن هذا الاستثمار يشكل ترجمة عملية للتقارب السياسي والدبلوماسي بين الرباط وباريس، وانتقالا نوعيا من مستوى المواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية إلى مستوى الانخراط الاقتصادي والمؤسساتي المباشر في تنمية هذه الأقاليم.
وأشار لزرق إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن الرؤية الاستراتيجية للمغرب الرامية إلى جعل واجهته الأطلسية قطبا اقتصاديا ولوجستيا حيويا يربط القارة الأوروبية بالعمق الإفريقي، فضلا عن تعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاء واعدا للاستثمار والإنتاج والتبادل التجاري.
ولفت المحلل السياسي إلى أن أهمية هذا التمويل لا تكمن في قيمته المالية وحدها، بل تتعداها إلى دلالاته الجيو-اقتصادية العميقة، باعتباره مؤشرا واضحا على تنامي الثقة الدولية في المؤهلات الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، وتعزيزا لحضور المؤسسات التمويلية الدولية في مواكبة المشاريع التنموية بها.
وأكد المتحدث ذاته أن هذا التمويل يندرج، على المستوى الاقتصادي والتنموي، في إطار تحول نوعي نحو الاقتصاد الأزرق والانتقال الطاقي، وذلك عبر تحديث الموانئ وتأهيل البنيات اللوجستية وتطوير الطاقات المتجددة وخفض الانبعاثات الكربونية، بما يسهم في تحسين تنافسية الموانئ المغربية وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.
وأضاف المحلل السياسي أن طبيعة التمويل تكتسي أهمية خاصة ومتميزة، باعتباره قرضا بشروط تفضيلية يمتد على 13 سنة ودون ضمانة سيادية من الدولة، وهو ما يعكس بوضوح حجم الثقة في القدرة التمويلية والتدبيرية للوكالة الوطنية للموانئ، كما أن توجيه الاستثمارات نحو الموانئ الجنوبية من شأنه تقوية سلاسل القيمة المرتبطة بالصيد البحري والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية، فضلا عن فتح آفاق جديدة وواعدة للتكامل الاقتصادي الإفريقي.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطا ارتباطا وثيقا بمدى قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق قيمة مضافة محلية مستدامة، وتوسيع فرص التشغيل، وتقليص الفوارق المجالية؛ ليؤكد أن هذا الاستثمار يمثل خطوة أساسية في مسار أوسع يروم تحويل المكتسبات الدبلوماسية المغربية إلى شراكات اقتصادية منتجة، وترسيخ الأقاليم الجنوبية بفعالية ضمن الدينامية الاقتصادية الوطنية والأطلسية.