تتواصل داخل عدد من الأحزاب السياسية حالة من الترقب والحسابات الدقيقة قبل أسابيع من إغلاق باب إيداع الترشيحات الخاصة بالانتخابات التشريعية لسنة 2026، إذ اختارت قيادات حزبية تأخير الإعلان الرسمي عن وكلاء اللوائح المحلية ووكيلات اللوائح الجهوية في مختلف الجهات، في خطوة لا ترتبط فقط باستكمال المشاورات الداخلية، بل أيضا برغبة في مراقبة اختيارات المنافسين وقراءة خرائط التزكيات قبل حسم قراراتها النهائية.
وبحسب مصادر حزبية متطابقة، فإن هذا التأخير أصبح جزءا من تكتيك انتخابي يراهن على ما يوصف داخل الكواليس بـ”اقتناص الفرصة الثانية”، حيث تفتح قنوات اتصال غير مباشرة مع مرشحين لم ينالوا التزكية داخل أحزابهم الأصلية، عبر وسطاء متخصصين في إدارة المفاوضات السياسية، من أجل استقطابهم للترشح بألوان سياسية جديدة، مستفيدة من حالة الغضب التي تخلفها قرارات منح التزكيات.
ولا تقتصر أهداف هذه التحركات على تعزيز اللوائح الانتخابية فحسب، بل تمتد إلى إرباك المنافسين في دوائر انتخابية بعينها. فانتقال مرشح غاضب إلى حزب منافس قد يؤدي إلى انقسام القاعدة الانتخابية للحزب الذي غادره، بعدما يجد جزء من أنصاره أنفسهم موزعين بين المرشح الرسمي والمرشح الذي كان إلى وقت قريب أحد أبرز وجوه الحزب محليا، وهو ما ينعكس مباشرة على توازنات الأصوات ويزيد من تعقيد المنافسة.
وتؤكد مصادر متابعة للمشهد الانتخابي أن بعض الأحزاب لا تراهن بالضرورة على الفوز بمقاعد إضافية في كل الدوائر التي تخوضها، وإنما تسعى أيضا إلى رفع رصيدها من الأصوات على الصعيد الوطني، بالنظر إلى أن عدد الأصوات المحصل عليها يشكل أحد المعايير المعتمدة في احتساب الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية. لذلك، يصبح استقطاب أسماء تمتلك حضورا انتخابيا، حتى وإن كانت فرص فوزها محدودة، استثمارا سياسيا وماليا في الوقت نفسه.
كما تحولت مرحلة ما قبل إيداع الترشيحات إلى موسم للمفاوضات المكثفة، حيث تنشط الاتصالات بين القيادات الحزبية والمنتخبين والمرشحين المحتملين، وتتكاثر عروض الانضمام والتنازل وإعادة ترتيب المواقع، في ظل استقالات متوقعة وانتقالات متسارعة بين الأحزاب. وتصف مصادر سياسية هذه الفترة بأنها الأكثر حساسية في عمر الاستحقاقات الانتخابية، لأنها تشهد إعادة رسم الخريطة المحلية قبل انطلاق الحملة الرسمية.
ويرى متابعون أن استمرار هذه الممارسات يجد تفسيره في غياب مقتضى قانوني يلزم الأحزاب بالإعلان عن وكلاء لوائحها داخل أجل محدد قبل فتح باب الترشيحات، وهو فراغ يتيح هامشا واسعا للمناورة ويجعل باب الاستقطاب مفتوحا إلى آخر لحظة، بما يرافق ذلك من مساومات وتحركات خلف الكواليس.
ويعتبر مراقبون أن هذه الأساليب، وإن كانت تندرج ضمن أدوات التدبير السياسي التي لا يمنعها القانون صراحة، فإنها تطرح أسئلة متزايدة حول تكافؤ الفرص وشفافية التنافس الحزبي، خاصة عندما تتحول التزكيات إلى ورقة تفاوض أكثر منها تعبيرا عن الكفاءة أو الامتداد التنظيمي. كما أن تنقل المرشحين بين الأحزاب في اللحظات الأخيرة يضعف ثقة الناخب في الخطاب السياسي، ويعزز الانطباع بأن الولاءات الانتخابية تخضع في كثير من الأحيان لحسابات ظرفية أكثر من ارتباطها بقناعات وبرامج.
ومع اقتراب الموعد النهائي لإيداع الترشيحات، تتوقع مصادر سياسية أن تتسارع وتيرة هذه التحركات، وأن تعرف الأيام الأخيرة مزيدا من المفاجآت، في ظل سباق محموم بين الأحزاب لاستقطاب الأسماء القادرة على التأثير في موازين القوى، وهي مرحلة يرى كثيرون أنها أصبحت تمثل المعركة الحقيقية التي تسبق انطلاق المعركة الانتخابية على أرض الواقع.