في ختام أشغال دورته العادية الرابعة المنعقدة بسلا، رسم المجلس الوطني لحزب الاستقلال معالم المرحلة السياسية المقبلة، مجددا تمسكه بثوابته الوطنية، ومعبرا عن دعمه للحصيلة الحكومية التي يعتبر نفسه أحد أبرز المساهمين في تنزيلها، في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاقات انتخابية جديدة تضع الأحزاب أمام اختبار استعادة ثقة المواطنين وتعزيز المشاركة السياسية.
الدورة التي ترأسها رئيس المجلس الوطني للحزب عبد الجبار الرشيدي، وشهدت تقديم عرض سياسي وتنظيمي من طرف الأمين العام للحزب نزار بركة، فضلا عن عرض حول المنظومة القانونية للانتخابات، تحولت إلى مناسبة لتجديد التأكيد على هوية الحزب وتصوراته بشأن القضايا الوطنية الكبرى. وأشاد أعضاء المجلس بما وصفوه بمضامين العرض السياسي للأمين العام، معتبرين أنه عكس مواقف الاستقلاليين إزاء التحديات الراهنة، واستحضر المرجعية التاريخية والسياسية للحزب.
وفي ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، جدد الحزب تأكيد موقفه الثابت الداعم للوحدة الترابية للمملكة، معبرا عن اعتزازه بما اعتبره مكاسب متراكمة حققتها الدبلوماسية المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس، سواء من خلال تنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي أو عبر الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. كما عبر عن ارتياحه لما وصفه بالتطورات التي من شأنها أن تمهد لتسوية نهائية لهذا النزاع في إطار السيادة الوطنية، داعيا إلى مواصلة التعبئة الوطنية من أجل تنزيل مشروع الحكم الذاتي وتعزيز مختلف أبعاد السيادة المغربية.
ولم يفت الحزب التنويه بالأدوار التي تضطلع بها القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية في حماية الوحدة الترابية، مشيدا كذلك بإسهامات ساكنة الأقاليم الجنوبية ومنتخبيها في ترسيخ الوحدة الوطنية ودعم مسار التنمية.
وعلى المستوى الداخلي، عبر المجلس الوطني عن اعتزازه بما اعتبره منجزات اجتماعية واقتصادية حققتها الحكومة الحالية، مشيرا إلى أن حزب الاستقلال كان فاعلا أساسيا في بلورتها وتنفيذها. واستحضر في هذا السياق ورش الدعم الاجتماعي المباشر باعتباره آلية لتقليص الفوارق الاجتماعية، كما نوه بالتقدم المسجل في تعميم التغطية الصحية، وبالإجراءات المرتبطة بالدعم المباشر للسكن وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين والرفع من دخل الموظفين والأجراء في إطار الحوار الاجتماعي.
ورغم هذا التقييم الإيجابي، أكد الحزب أن المرحلة المقبلة تقتضي مضاعفة الجهود في مجالات الحكامة ومحاربة مختلف أشكال الريع والفساد الاقتصادي، والتصدي لما سماه بثقافة “الهمزة”، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية التي ما تزال قائمة، خاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية والنائية. كما شدد على أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل مؤشرات النمو الاقتصادي والاجتماعي إلى فرص حقيقية لإحداث مناصب الشغل وتحقيق الإنصاف بمختلف أبعاده، سواء تعلق الأمر بإنصاف الأفراد أو الجهات.
وفي ما يخص الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عبر المجلس الوطني عن ارتياحه لسير مسلسل الإعداد لها، سواء على مستوى المشاورات السياسية أو إصلاح المنظومة القانونية وتخليق العملية الانتخابية ومراجعة اللوائح. وأكد الحزب استعداده لمواصلة الانخراط في مختلف مراحل هذا المسار، معتبرا أن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تشكل فرصة لتعزيز المشاركة السياسية وتقوية المؤسسات الدستورية المنبثقة عن صناديق الاقتراع.
وفي رسالة ذات أبعاد انتخابية واضحة، أعلن حزب الاستقلال تجديد تعاقده مع المواطنين حول خمس أولويات كبرى ستشكل أساس عرضه السياسي خلال المرحلة المقبلة. وتتعلق هذه الالتزامات بحماية الأسرة المغربية ومنظومة القيم الوطنية، والدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين من خلال مواجهة مظاهر الريع والمضاربة، واعتماد مبدأ “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح عبر الدعوة إلى سن إطار قانوني خاص بهذا المجال.
كما تعهد الحزب بعدم التراجع عن دعم خدمات المرفق العمومي، وفي مقدمتها المدرسة والمستشفى العموميان، باعتبارهما ركيزتين للعدالة الاجتماعية والتماسك الوطني، فضلا عن التشبث بمبدأ “سيادة المغرب أولا وأخيرا وأبدا”، من خلال تقوية استقلالية البلاد في مجالات الصناعة والغذاء والتكنولوجيا، وتعزيز موقعها التفاوضي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ويعكس البيان الصادر عن المجلس الوطني لحزب الاستقلال حرص الحزب على تقديم نفسه كقوة سياسية تجمع بين الدفاع عن حصيلة مشاركته الحكومية والتأكيد على ضرورة مواصلة الإصلاحات ومعالجة الاختلالات القائمة، في أفق الاستعداد للاستحقاقات المقبلة بخطاب يرتكز على السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وهي عناوين يبدو أن الحزب يراهن عليها لتجديد تعاقده السياسي مع الناخبين.