من يملك مفتاح المالية؟صراع الأحرار والبام يصل إلى أخطر حقائب الحكومة

لم تعد المواجهة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة محصورة في صراع انتخابي حول المرشحين والتزكيات واستقطاب الأعيان. فمع اقتراب تشريعيات 23 شتنبر، بدأت معركة أكثر حساسية تطفو إلى السطح: من سيمسك بمفاتيح الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة؟

التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، نقل هذا الصراع إلى مستوى جديد، بعدما تضمن موقفاً واضحاً من مستقبل فوزي لقجع داخل الحكومة، في وقت بات فيه الأخير أحد أبرز الوجوه السياسية الصاعدة داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

وبحسب التسجيل المتداول، يؤكد الطالبي العلمي أن استمرار الأحرار في رئاسة الحكومة سيعني بقاء وزارة الاقتصاد والمالية مع نادية فتاح، مستبعداً في المقابل انتقال الحقيبة إلى فوزي لقجع. وبغض النظر عن الجدل الذي أثاره التسجيل حول مضمونه وسياقه، فإن الرسالة السياسية التي حملها تبدو واضحة: وزارة المالية خط أحمر في حسابات الأحرار.

وهنا يتجاوز الخلاف حدود الأشخاص، ليكشف عن صراع مبكر حول مواقع القوة داخل الحكومة المقبلة، وعن رغبة كل حزب في تأمين القطاعات التي تمنحه أكبر قدر من التأثير في القرار العمومي.

فالمالية ليست مجرد حقيبة وزارية عادية. إنها البوابة التي تمر منها الميزانية، والسياسة الجبائية، والدين العمومي، والاستثمار، وتمويل الاقتصاد، والعلاقات المالية مع المؤسسات الدولية. ومن يسيطر على هذه الوزارة يمتلك جزءاً أساسياً من أدوات صناعة القرار الاقتصادي للدولة.

ويصعب فصل الجدل الحالي عن المسار الذي عرفته وزارة الاقتصاد والمالية خلال السنوات الماضية. فمنذ سنة 2007، ظل هذا القطاع مرتبطاً بشكل وثيق بشخصيات محسوبة على التجمع الوطني للأحرار، باستثناء فترة قصيرة تولى خلالها نزار بركة الحقيبة بين 2012 و2013.

بدأ المسار مع صلاح الدين مزوار الذي تولى وزارة الاقتصاد والمالية في أكتوبر 2007 واستمر فيها إلى يناير 2012، قبل أن تنتقل الحقيبة مؤقتاً إلى نزار بركة.

وفي أكتوبر 2013، عاد المنصب إلى شخصية تجمعية مع تعيين محمد بوسعيد، الذي استمر وزيراً للاقتصاد والمالية إلى سنة 2018.

بعده، تولى محمد بنشعبون الوزارة سنة 2018، قادماً من القطاع البنكي، وظل على رأسها إلى سنة 2021.

وفي أكتوبر من السنة نفسها، وصلت نادية فتاح إلى الوزارة، بعد مسار مهني في قطاع التأمينات والقطاع الخاص، قبل أن تصبح عضواً في المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.

وبذلك، أصبح حضور الأحرار في وزارة الاقتصاد والمالية امتداداً سياسياً وإدارياً استمر لسنوات طويلة، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة التي يكتسيها أي حديث عن انتقال الحقيبة إلى حزب منافس داخل الأغلبية.

وتنبع أهمية الوزارة من حجم الصلاحيات التي توجد بين يديها. فهي تشرف على إعداد وتنفيذ قانون المالية، وتدبير السياسة الضريبية، والدين العمومي، والاستثمارات العمومية، وتمويل الاقتصاد، إضافة إلى العلاقات المالية مع المؤسسات الدولية.

كما ترتبط بها مؤسسات ومديريات شديدة التأثير، من الخزينة العامة للمملكة إلى المديرية العامة للضرائب وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.

لذلك، فإن حسم هوية الوزير الذي سيقود هذه الوزارة لا يتعلق فقط بتوزيع الحقائب، بل بتحديد الجهة السياسية التي ستمسك بجزء مهم من مفاصل القرار الاقتصادي خلال الولاية الحكومية المقبلة.

ومن هذه الزاوية، يصبح استبعاد فوزي لقجع من الوزارة، كما ورد في التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي، أكثر من مجرد موقف من اسم شخصي؛ فهو يعكس رغبة واضحة في منع انتقال مركز ثقل اقتصادي حساس إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

وضعية فوزي لقجع أكثر تعقيداً من مجرد وزير منتدب يطمح إلى الترقية. فلقجع يشغل منذ أكتوبر 2021 منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، كما أن مساره المهني داخل وزارة المالية يعود إلى سنوات طويلة، بعدما عمل مفتشاً للمالية وتدرج داخل مديرية الميزانية، التي تولى إدارتها سنة 2011.

هذه التجربة منحته معرفة واسعة بتفاصيل المالية العامة، وبآليات إعداد قوانين المالية، وبالتحكيم بين القطاعات الحكومية، إضافة إلى تعامله المباشر مع الملفات ذات الطابع المالي والاستراتيجي.

وخلال وجوده في الحكومة، برز اسمه بقوة في الملفات الميزانياتية، في وقت تولت فيه نادية فتاح واجهة الوزارة الاقتصادية والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.

وهذا التقسيم العملي للأدوار خلق قراءة سياسية مفادها أن لقجع أصبح صاحب نفوذ قوي في الجزء الأكثر حساسية من عمل الوزارة، رغم أن الصفة القانونية للوزير تعود إلى نادية فتاح.

غير أن التحول الأكبر وقع في يوليوز 2026، عندما أعلن فوزي لقجع انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

بهذه الخطوة، انتقل الرجل من موقع المسؤول التقني داخل الحكومة إلى موقع سياسي في صفوف حزب يوجد في مواجهة انتخابية وسياسية مباشرة مع التجمع الوطني للأحرار.

وهنا تغيرت طبيعة النقاش حول مستقبله الحكومي. فما كان يمكن أن يقدم سابقاً باعتباره مساراً طبيعياً لكفاءة إدارية راكمت تجربة طويلة في المالية العامة، أصبح الآن جزءاً من مفاوضات سياسية محتملة حول تشكيل الحكومة المقبلة.

ومن ثم، فإن وصول لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية، في حال تحقق، لن يكون مجرد تغيير في المسؤول عن القطاع، بل سيعني انتقال حقيبة استراتيجية من المجال السياسي الذي ظل الأحرار حاضرين فيه بقوة إلى حزب منافس داخل الأغلبية.

ولا يبدو أن الجدل السياسي المحيط بلقجع يتوقف عند وزارة الاقتصاد والمالية. فمساره يجمع بين الإدارة والمال والرياضة والسياسة، إضافة إلى حضور دولي راكمه من خلال مسؤولياته في كرة القدم.

ومع انتقاله إلى «البام»، بات اسمه حاضراً في النقاش حول مستقبل التوازنات داخل الأغلبية، بل إن بعض التكهنات ذهبت أبعد من الوزارة نفسها نحو أدوار حكومية وسياسية أكبر.

لكن تحويل هذه التكهنات إلى واقع سيظل مرتبطاً بنتائج انتخابات 23 شتنبر، وبموازين القوى التي ستفرزها صناديق الاقتراع، ثم بالمفاوضات التي ستليها حول تشكيل الحكومة.

المواجهة الحالية بين الأحرار والبام تبدو، بهذا المعنى، مقدمة لمعركة أكبر ستبدأ فعلياً بعد إعلان النتائج.

الأحرار يريد الحفاظ على موقعه في قيادة الحكومة وعلى القطاعات التي يعتبرها أساسية لنفوذه، فيما يسعى الأصالة والمعاصرة إلى تحويل حضوره الانتخابي والسياسي إلى وزن تفاوضي أكبر داخل الحكومة المقبلة.

وبين الطرفين، تحولت وزارة الاقتصاد والمالية إلى واحدة من أبرز ساحات اختبار القوة.

فالتسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي لم يفتح فقط نقاشاً حول مستقبل نادية فتاح وفوزي لقجع، بل كشف مبكراً أن معركة تشكيل الحكومة قد تبدأ قبل ظهور نتائج الانتخابات نفسها.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الحقيقي فقط: من سيصبح وزيراً للاقتصاد والمالية؟ بل أي حزب سيمسك بمفتاح القرار الاقتصادي في المغرب بعد 23 شتنبر؟

وهنا تكمن أهمية الصراع الدائر اليوم؛ لأن المعركة حول حقيبة المالية قد تكون مجرد واجهة لصراع أوسع حول من سيقود الأغلبية المقبلة، ومن سيملك القدرة على فرض شروطه في توزيع مراكز النفوذ داخل الحكومة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *