رفع حزب الأصالة والمعاصرة سقف برنامجه الانتخابي للتشريعيات المقبلة، مقدماً أمام الناخبين حزمة من الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي تمتد من خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، إلى خلق مليون منصب شغل، ورفع الحد الأدنى للمعاشات والدعم الاجتماعي، وتوسيع العرض الصحي والتعليمي والسكني، وصولاً إلى تعزيز الأمن المائي والطاقي وبناء منظومة مغربية للذكاء الاصطناعي.
ويقوم البرنامج الانتخابي لـ«البام» على خمسة مواثيق و20 التزاماً يقول الحزب إنها قابلة للتطبيق والتتبع، فيما تقدر الكلفة الإضافية الإجمالية لتنزيل البرنامج بحوالي 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً. ويضع الحزب، في المقابل، هدف خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الممتدة من 2027 إلى 2031، مع خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة في أفق 2031.
في مقدمة الالتزامات، يضع الحزب القدرة الشرائية، مخصصاً لها 150 مليار درهم، ومقترحاً إعادة تنظيم مسالك توزيع المنتجات الفلاحية من خلال إحداث ست شركات جهوية للتوزيع بالمناطق الفلاحية الكبرى، مع إخضاعها لدفتر تحملات عمومي وتدقيق سنوي وشفافية بشأن هوامشها.
وفي قطاع الكهرباء، يتعهد «البام» بالمجانية الكاملة لكل فاتورة كهرباء شهرية تقل عن 100 درهم، دون شرط إضافي أو إجراء إداري. وللمساهمة في تمويل هذا الإجراء، يقترح فرض مساهمة تضامنية بنسبة 12 في المائة على الشريحة العليا من الاستهلاك، أي على الكهرباء المستهلكة فوق 200 كيلوواط/ساعة شهرياً، على أن تظل هذه المساهمة في حدود تقل عن 30 درهماً شهرياً، وفق ما أورده البرنامج الرسمي.
وفي المجال الضريبي، يقترح الحزب تقليص عدد أشطر الضريبة على الدخل من ستة إلى ثلاثة، مع اعتماد معدل 0 في المائة بالنسبة للأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم، وهو ما يعادل تقريباً 12 ألفاً و500 درهم صافٍ، ثم 10 في المائة للأجور الخام التي تتراوح بين 15 ألفاً و46 ألف درهم، و20 في المائة بالنسبة للأجور التي تتجاوز 46 ألف درهم.
كما يتعهد «البام» بالرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم شهرياً، مع الانتقال تدريجياً من الاستهداف اعتماداً على المؤشر إلى الاستهداف بناء على الدخل الحقيقي، بهدف تقليص هامش الخطأ في الاستفادة إلى 5 في المائة في أفق 2030.
أما الشباب، فقد خصص لهم الحزب 50 مليار درهم ضمن ميثاق إدماج الشباب، مستهدفاً حوالي 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة ممن يوجدون خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل.
ويقترح الحزب إنشاء منصة وطنية ومسار موحد للشباب بين 18 و29 سنة، يبدأ بتشخيص فردي ومواكبة اجتماعية وينتهي بعقد للإدماج، مع توجيه كل شاب نحو حل يتناسب مع وضعيته، سواء تعلق الأمر بالتكوين أو الشغل أو العودة إلى الدراسة أو إنشاء مقاولة. ويستهدف هذا المسار، عند بلوغ سرعته القصوى، مواكبة حوالي 300 ألف شاب سنوياً.
وفي مواجهة الانقطاع عن الدراسة، الذي يعتبره الحزب أحد أبرز روافد فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، يقترح إرساء آلية وطنية لرصد المنقطعين، خصوصاً في الفئة العمرية بين 15 و18 سنة، وربط كل حالة بمسار للعودة إلى الدراسة أو الالتحاق بالتكوين المهني أو التكوين بالتدرج، مع التوجه تدريجياً نحو ضمان التعليم أو التكوين إلى غاية سن 18 سنة.
وفي مجال التشغيل، يضع «البام» هدفاً يتمثل في خلق 200 ألف منصب شغل صاف سنوياً على الأقل، بما يقود إلى مليون منصب خلال الولاية الخماسية، وخفض البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة سنة 2031.
كما يستهدف رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء من 17.5 إلى 21.2 في المائة، من خلال إجراءات تشمل دور الحضانة والنقل الآمن والعمل عن بعد وصندوقاً للمقاولة النسائية. ويقترح كذلك إعفاء المقاولات الصغيرة والصغيرة جداً من الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات مقابل خلق ثلاثة مناصب شغل، مع تخصيص حصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة من الصفقات العمومية في حدود 15 في المائة من القيمة، وفق البرنامج.
وفي الصحة، يضع الحزب ضمن التزاماته بناء أربعة مستشفيات جامعية جديدة، إلى جانب تأهيل 1600 مركز صحي، مع هدف توسيع التغطية الصحية وتحسين الولوج إلى الخدمات الطبية. كما يربط الحزب إصلاح المنظومة الصحية بتقوية العرض الاستشفائي وتحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.
وفي التعليم، يقترح «البام» تعميم التعليم ما قبل المدرسي ابتداء من سن الرابعة، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي والإطعام في المناطق الهشة، إلى جانب الفحص الطبي المنتظم للقدرات السمعية والبصرية للتلاميذ.
ويتضمن البرنامج أيضاً تخصيص 20 دقيقة يومياً للقراءة، وتحديد حد أدنى من التعلمات الأساسية لدى الأطفال إلى غاية سن 15 سنة، وثلاث ساعات للتربية البدنية في التعليم الابتدائي والإعدادي، إضافة إلى إحداث مسارات للامتياز المهني في الثانويات.
أما التعليم العالي، فيقترح الحزب هيكلته في ثلاثة مجمعات، أحدها للتميز العلمي والتكنولوجي ذي الأبعاد الدولية، وثانٍ تقني ومهني موجه لحاجيات المحيط الاقتصادي، إلى جانب منظومة للمعابر بين المجمعين.
وفي السكن، يرفع الحزب سقف طموحه إلى تمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال الولاية الخماسية، عبر مواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن للوصول إلى 300 ألف مستفيد، وإنجاز 100 ألف مسكن في إطار المراكز القروية المندمجة، مع دعم للأسر المستفيدة في حدود 40 ألف درهم، فضلاً عن إعادة تأهيل 20 ألف بناية في المدن العتيقة.
كما يقترح محاربة المضاربة العقارية من خلال ضريبة تصاعدية على الأراضي غير المبنية داخل المدارات الحضرية، وتحديث سوق الكراء عبر قانون إطار، إلى جانب بناء مساكن موجهة للكراء لفائدة الشباب بأثمنة ملائمة.
وفي المجال الرقمي، يهدف الحزب إلى تجهيز 80 في المائة من المساكن بالألياف البصرية، وتوفير الربط بالأقمار الاصطناعية في المناطق المعزولة، وتعميم التغطية بشبكة الجيل الرابع، فضلاً عن إحداث 1500 فضاء رقمي مواطناتي لمساعدة المواطنين على الاستفادة من الخدمات الرقمية.
ويقترح الحزب أيضاً إطلاق برنامج «الذكاء الاصطناعي في خدمة الدولة الاجتماعية»، لاستعمال التقنيات الجديدة في مجالات من بينها الكشف المبكر عن الأطفال المهددين بالانقطاع عن الدراسة، والخدمات الطبية عن بعد، وتقييم مداخيل الأسر، مع التشديد على تخزين معطيات المغاربة ضمن حوسبة سحابية وطنية سيادية.
ولا يغيب ملف الأمازيغية عن البرنامج، إذ يضع الحزب ضمن ميثاق المواطنة التزاماً بتسريع تفعيل طابعها الرسمي، إلى جانب مواصلة إدماجها في الخدمات العمومية والحياة اليومية.
أما ميثاق الأمان، فيضع الأمن الاستراتيجي للمغرب في أبعاده المائية والطاقية والغذائية والعلمية والتقنية في صلب البرنامج. ويقترح الحزب في هذا الإطار إنجاز 400 منشأة مائية، إلى جانب إجراءات لتعزيز الأمن الطاقي ومخزون المحروقات، وبناء قدرة وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يقترح «البام» تكوين 5000 مؤطر في مجال الذكاء الاصطناعي وإدماج هذه المادة في المستويات التعليمية، وتشجيع البحث العلمي في هذا المجال، وصولاً إلى إطلاق مشروع لبناء منظومة ذكاء اصطناعي مغربية بهدف تعزيز السيادة التقنية وتقليص التبعية الرقمية.
وفي قلب البرنامج يوجد الميثاق الخامس، المتعلق بالنمو والاستدامة، والذي يعتبره الحزب الشرط الأساسي لتمويل باقي الالتزامات. ويستهدف «البام» تحقيق معدل نمو متوسط في حدود 5 في المائة سنوياً خلال الفترة 2027–2031، مقابل حوالي 3.7 في المائة خلال 2022–2025، مع التحكم في التضخم عند مستوى 2 في المائة، والحفاظ على عجز الميزانية في سقف 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع خفض المديونية العمومية إلى مسار تنازلي يصل إلى 62 في المائة في أفق 2031.
ويقسم الحزب المليون منصب شغل المستهدف إلى قطاعات مختلفة، من بينها 360 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، و270 ألفاً في الصناعة وتعويض الواردات، و250 ألفاً في الفلاحة بالعالم القروي، و80 ألفاً في اقتصاد الرياضة، إضافة إلى 40 ألف منصب مرتبطة بالأنشطة المواكبة لكأس العالم 2030 والاقتصاد الرياضي.
ويبقى التمويل أحد أكثر عناصر البرنامج حساسية، خصوصاً مع بلوغ الكلفة الإضافية الإجمالية 350 مليار درهم خلال خمس سنوات. ويحدد الحزب ثلاثة مصادر رئيسية لتمويل هذه الالتزامات: 300 مليار درهم من الأثر الإضافي الناتج عن النمو، و40 مليار درهم كمساهمة للجماعات الترابية من صندوق الضريبة على القيمة المضافة، و10 مليارات درهم من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.
ويتعهد الحزب، في هذا الإطار، بإجراء مراجعة شاملة للنفقات العمومية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، عبر تجميع وتوحيد البرامج والمؤسسات العمومية المتداخلة في مهامها، ووضع سقف لنفقات التسيير غير الضرورية، وإخضاع الاتفاقيات والعقود المبرمة مع القطاعات الاقتصادية الخاصة للافتحاص والتقييم.
وبذلك يقدم «البام» برنامجه الانتخابي كحزمة متكاملة لا تقتصر على إجراءات اجتماعية منفصلة، بل تربط القدرة الشرائية بالتشغيل، والتشغيل بالنمو، والدولة الاجتماعية بالأمن المائي والطاقي والرقمي.
ويبقى الرهان الأكبر أمام الحزب هو الانتقال من هذه الالتزامات المرقمة إلى التنفيذ الفعلي، خصوصاً أن البرنامج يضع أمام الناخب أرقاماً مرتفعة: 350 مليار درهم من الكلفة الإضافية، مليون منصب شغل، بطالة في حدود 7 في المائة، نمو بـ5 في المائة، دعم اجتماعي يصل تدريجياً إلى ألف درهم، ومجانية للفواتير الكهربائية التي تقل عن 100 درهم.
وبين حجم الوعود وقدرة المالية العمومية والاقتصاد الوطني على استيعابها، سيظل السؤال الحقيقي الذي سيلاحق البرنامج انتخابياً وسياسياً هو: هل يستطيع «البام» تحويل هذه الأرقام من التزامات انتخابية إلى نتائج ملموسة خلال خمس سنوات؟