وضع فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، المعارضة في مواجهة مباشرة مع مسؤولية تقديم خطاب سياسي يستند إلى المعطيات والبدائل، منتقداً ما اعتبره تسرعاً في الحكم على مشروع قانون المالية لسنة 2027، وترويجاً لأحكام مسبقة بشأن التزامات الحكومة قبل الشروع في تنفيذ برنامجها.
وخلال تقديم التوجهات المرتبطة بمشروع قانون المالية، اعتبر لقجع أن مساءلة الحكومة وتقييم اختياراتها لا يمكن أن يقوما على استنتاجات غير مدعومة بالوقائع، مشيراً إلى أن إطلاق مواقف نقدية قبل الاطلاع على مضامين المشروع يثير تساؤلات حول خلفياتها السياسية، في وقت يفترض فيه أن يشكل النقاش المالي مناسبة لمقارنة التصورات والبرامج والبحث عن حلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ولم يقتصر انتقاد الوزير على المواقف الصادرة داخل المؤسسة التشريعية، بل امتد إلى استعمال منصات التواصل الاجتماعي في المعركة السياسية، محذراً مما وصفه بتجنيد بعض الشباب لترويج أخبار مضللة بشأن تراجع الحكومة عن التزاماتها الانتخابية. كما دعا بعض المسؤولين الحزبيين إلى التوقف عن هذه الممارسات، معتبراً أن الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتوجيه الرأي العام عبر معطيات غير دقيقة.
وفي رسالة موجهة إلى مكونات المعارضة، شدد لقجع على أن الدور المعارض لا يكتمل بمجرد توجيه الانتقادات، بل يقتضي تقديم اجتهادات وبدائل قابلة للنقاش، معتبراً أن الشعبوية لا يمكن أن تعوض النقاش المؤسساتي المبني على الحجج والمعطيات. وأبرز أن المواطنين قادرون على التمييز بين الخطابات السياسية ومضامينها، في إشارة إلى أن الحكم على أداء الفاعلين السياسيين يظل مرتبطاً بما يقدمونه من تصورات ونتائج.
وتأتي هذه المواقف في سياق النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يشكل محطة أساسية لمناقشة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، كما يتيح للمعارضة ممارسة دورها الرقابي من خلال مساءلة الحكومة بشأن أولوياتها المالية ومدى انسجامها مع الوعود الانتخابية. غير أن هذا النقاش يطرح، في المقابل، سؤال التوازن بين حق المعارضة في النقد وضرورة إخضاع الأحكام السياسية للمعطيات والوقائع.
الدولة الاجتماعية.. اختبار التوازن بين الاقتصاد والعدالة
وبعيداً عن السجال السياسي، انتقل لقجع إلى مناقشة أحد أبرز رهانات السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة، ويتعلق الأمر ببناء الدولة الاجتماعية، معتبراً أن النتائج المحققة لم ترقَ دائماً إلى مستوى التطلعات، في ظل ما وصفه بالفصل بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
ويعيد هذا التشخيص النقاش إلى طبيعة العلاقة بين النمو الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، إذ لا يكفي، وفق هذا المنظور، توسيع البرامج الاجتماعية بمعزل عن توفير الشروط الاقتصادية الكفيلة بضمان استدامتها، كما لا يمكن قياس نجاح السياسات الاقتصادية دون الوقوف عند أثرها على القدرة الشرائية وفرص الشغل ومستوى الحماية الاجتماعية.
وتضع هذه المعادلة مشروع قانون المالية المقبل أمام تحدي التوفيق بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على التوازنات المالية، من جهة، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية المتزايدة، من جهة أخرى. كما تجعل من تقييم الاختيارات الحكومية اختباراً لمدى قدرة السياسات الاقتصادية على إنتاج نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وتبرز مضامين المداخلة التقديمية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 توجهاً نحو التأكيد على الترابط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، في مقابل الدعوة إلى جعل النقاش السياسي أكثر ارتباطاً بالنتائج والمعطيات.
وبين دفاع لقجع عن اختيارات الحكومة وانتقاداته للمعارضة، يبقى التحدي الأساسي هو ترجمة التوجهات المعلنة إلى حصيلة قابلة للقياس، بما يسمح للمواطنين بتقييم الوعود على أساس ما يتحقق فعلياً، لا ما يقال بشأنها.