قدّم الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، خلال اجتماع المجلس الوطني للحزب المنعقد بالولجة بسلا، ملامح تعاقد سياسي جديد يرسم سقف المرحلة المقبلة، ويضع خمس التزامات كبرى يعتبرها الحزب أساساً لإعادة بناء الثقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، في سياق يتسم بتعقيدات اقتصادية وتحولات اجتماعية متسارعة وضغوط متزايدة على البنية القيمية والمؤسساتية.
وفي مستهل هذا التوجه، وضع الحزب مسألة حماية الأسرة وصون منظومة القيم في صلب أولوياته، باعتبارها ركيزة النموذج المجتمعي المغربي.
![]()
وشدد بركة على ضرورة تعزيز تماسك الأسرة باعتبارها الخلية المؤسسة للاستقرار الاجتماعي، في وقت تعرف فيه البلاد تحولات عميقة مرتبطة بتغير أنماط العيش وتوسع تأثيرات الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
واعتبر أن هذا السياق يفرض يقظة سياسية ومجتمعية لحماية الهوية الوطنية والثوابت الدستورية، مع التحذير من أي محاولات لإدخال أنماط قيمية دخيلة قد تمس بالتماسك الاجتماعي أو تُضعف الروابط الأسرية التقليدية.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ليست خياراً ظرفياً أو امتيازاً سياسياً، بل مسؤولية مباشرة للدولة، ترتبط بكرامة المواطنين واستقرارهم الاجتماعي.
![]()
وانتقد أي سياسات من شأنها زيادة الأعباء على الفئات الوسطى والموظفين والأجراء والمتقاعدين، داعياً إلى إعادة الاعتبار لدور الطبقة الوسطى باعتبارها محركاً أساسياً للتوازن الاجتماعي والتنمية. كما دعا إلى مواجهة ما وصفه بامتدادات الريع والوساطة غير المنتجة في الأسواق، وضرورة تعزيز الشفافية وتقليص حلقات المضاربة وتحسين شروط المنافسة، بما يضمن حماية المستهلك واستقرار الأسعار.
وفي سياق متصل، رفع الحزب سقف خطابه تجاه قضايا الحكامة الاقتصادية، مؤكداً على ما سماه “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ. واعتبر أن بناء اقتصاد تنافسي ومنصف يمر عبر القطع مع كل أشكال الاحتكار والامتياز غير المشروع، وإرساء مبدأ تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن أن يكون النجاح الاقتصادي والاجتماعي قائماً على الكفاءة والاستحقاق لا على القرب أو الامتياز.
![]()
كما أعاد الخطاب التأكيد على مركزية المرفق العمومي في أي مشروع إصلاحي، حيث شدد على أن قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ليست مجرد بنود تقنية في الميزانية، بل هي دعائم أساسية للعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتماسك الوطني.
واعتبر أن أي تعاقد حكومي مستقبلي يجب أن يكون قائماً على التزامات واضحة وقابلة للقياس، تضمن تحسين جودة الخدمات العمومية وتوسيع الولوج إليها، مع تعزيز فعالية منظومة الحماية الاجتماعية باعتبارها استثماراً مباشراً في الإنسان وضمانة لاستدامة التنمية.
وفي البعد الاستراتيجي، وضع حزب الاستقلال مسألة السيادة الوطنية في صدارة أولوياته، مؤكداً ضرورة تسريع وتيرة ترسيخ المكتسبات التي راكمتها البلاد في هذا المجال، مع الانفتاح على قطاعات مستقبلية واعدة مثل الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتكنولوجيات الرقمية والبيولوجية، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الاستراتيجية، والأمنين الغذائي والمائي. ويرى الحزب أن تعزيز هذه الاختيارات من شأنه تقليص التبعية الخارجية وتعزيز مناعة الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التفاوضية للمغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
ويأتي هذا التعاقد السياسي الذي عرضه نزار بركة في سياق استعدادات مبكرة لإعادة ترتيب الأولويات السياسية للحزب، بما يعكس رغبة في تقديم تصور متكامل يجمع بين البعد القيمي والاجتماعي والاقتصادي والسيادي، في محاولة لإعادة صياغة موقع الفاعل الحزبي داخل النقاش العمومي حول مستقبل النموذج التنموي المغربي.