على وقع العد العكسي لجلسة مجلس الأمن الدولي المرتقبة نهاية الشهر الجاري لبت مصير بعثة “المينورسو”، يشتعل فتيل التوتر الدبلوماسي على خلفية تلويح جبهة البوليساريو بالانسحاب من مسار التسوية الأممية، بسبب مسودة مشروع القرار الأمريكي القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا وحيدا للمفاوضات، والدفع نحو إعادة هيكلة بعثة “المينورسو”وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.
تهديد يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة حول خلفياته الحقيقية، وما إذا كان مجرد ورقة ضغط تكتيكية، أم مؤشرا على مأزق مرجعي يواجه أطراف النزاع أمام صياغات أمريكية جديدة تميل لترجيح كفة المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
في هذا السياق، أكد محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المهتم بملف الصحراء، أنه يصعب التعامل مع تهديد جبهة البوليساريو بالانسحاب من عملية السلام باعتباره مجرد مناورة إعلامية، بالنظر إلى وروده في رسالة رسمية موجهة إلى رئاسة مجلس الأمن، مستدركا بأن صياغة التهديد التي تربط هذا الانسحاب باعتماد المسودة الأمريكية دون تشير إلى أن الجبهة الانفصالية تترك الباب مفتوحا أمام تعديل النص، ما يجعل التهديد في هذه المرحلة أقرب إلى أداة ضغط تفاوضي منه إلى إعلان نهائي بإنهاء المشاركة.
وأشار سالم عبد الفتاح من خلال تصريح خص به “جريدة بلبريس” إلى أن خلفية هذا التصعيد تكمن في كون الخلاف لم يعد يقتصر على التفاصيل التقنية لتجديد ولاية “المينورسو”، بل امتد ليشمل مرجعية التسوية وحدود المناورة المتاحة لكافة الأطراف؛ حيث تقترح المسودة الأمريكية المتداولة اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كـ “أساس وحيد” للمفاوضات، مع الدفع نحو إعادة تشكيل البعثة الأممية وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.
وأوضح عبد الفتاح أن الجبهة ترى في هذه المقاربة تضييقا كبيرا لهامش تفاوضها وتحديدا مسبقا لمخرجاته، بينما ينسجم الاتجاه الذي تعكسه المسودة مع المسار الذي كرسه قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، والذي جعل المبادرة المغربية قاعدة وأساسا للمفاوضات.
وتابع المتحدث ذاته أن الجبهة الانفصالية تحاول رفع الكلفة الدبلوماسية لاعتماد النص بصيغته الحالية، وحشد مواقف داخل مجلس الأمن لإدخال تعديلات تحفظ لها مساحة أوسع للمناورة.
وأضاف الباحث المهتم بملف الصحراء أن احتمال الذهاب إلى الانسحاب الفعلي يظل قائما، لكنه خيار غير خال من الكلفة؛ فمن جهة، قد تستخدم الجبهة هذا التهديد لتبرير رفضها لأي صيغة تعتبرها غير منسجمة مع مطالبها، ومن جهة أخرى، فإن الانسحاب سيعمق التساؤلات الدولية بشأن مدى استعدادها للتكيف مع المرجعية السياسية التي يتجه مجلس الأمن لإقرارها، فضلا عن أنه سيقلص قدرتها على التأثير في التفاصيل العملية للمفاوضات.
وشدد محمد سالم عبد الفتاح على أن هذا الانسحاب، وإن كان لا يعني تلقائيا انتهاء المسار الأممي أو إقصاء الجبهة بقرار قانوني آلي، إلا أنه قد يفتح المجال أمام مراجعات جوهرية لطبيعة المسار السياسي ككل، بل وقد يفتح الباب أيضا للتداول حول معاقبة الجبهة وتصنيفها كمنظمة إرهابية.
وفي المقابل، سجل عبد الفتاح أن المكسب السياسي الأبرز بالنسبة للمملكة المغربية يتمثل في كون الجدل الحالي بات يدور حول صياغة تجعل من الحكم الذاتي نقطة الانطلاق الأساسية للمفاوضات.
واستطرد بالقول إن اعتماد مجلس الأمن لهذه المرجعية بصيغتها المقترحة سيعزز الموقع التفاوضي للمغرب، وينقل مركز الثقل نحو مناقشة ترتيبات الحكم الذاتي وضماناته ومؤسساته، بدلا من استمرار التنافس حول تصورات متباعدة للتسوية.
ونبه الباحث إلى أن هذا المكسب يظل مرتبطا بالمضمون النهائي للقرار المرتقب، لكون النص المتداول لا يزال مسودة أولية قابلة للتعديل، رغم أن المقاربة الأممية شهدت عموما نوعا من المراجعة ابتداء من القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، باتجاه التعاطي الإيجابي مع واقع السيادة المغربية على الصحراء.
وخلص محمد سالم عبد الفتاح إلى أن جدية التهديد لا تقاس فقط بإمكان تنفيذه، بل بمدى استعداد الجبهة لتحمل كلفته السياسية في حال عدم تحقق مطالبها، ليبقى الاختبار السياسي الحقيقي مرهونا بموقفها بعد اتضاح الصيغة النهائية للقرار: هل ستتعامل مع المرجعية الجديدة من داخل طاولة المفاوضات، أم ستختار الانسحاب وتخاطر بتراجع قدرتها على التأثير، مع احتمال إقصائها وعزلها دوليا؟ وهو ما ستكشف عنه جلسة التصويت الحاسمة بمجلس الأمن قبل نهاية الشهر الجاري.