أعاد ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، طرح ملف النزاع أمام مجلس الأمن بلغة أكثر صراحة، معلنا وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وداعيا إلى توضيح مضامين القرار 2797 بما يجعل الحكم الذاتي أساسا للمناقشات المقبلة، مع إخضاعه لشروط تتعلق بفعاليته وضمانات تنفيذه دوليا.
وخلال إحاطة مغلقة قدمها أمام أعضاء مجلس الأمن في 8 أكتوبر الجاري، أقر دي ميستورا بأن الجهود التي بذلها على مدى السنوات الخمس الماضية لإيجاد حل مقبول من الطرفين لم تحقق الاختراق المنتظر، رغم تعدد المقترحات ومحاولات تقريب وجهات النظر. وأوضح أنه عبّر في أبريل الماضي عن تفاؤل حذر بإمكانية إحراز تقدم، عقب استئناف العملية السياسية في يناير، التي شهدت خلال ربعها الأول ثلاث جولات من المفاوضات رفيعة المستوى في واشنطن ومدريد، شارك في رئاستها إلى جانبه السفير الأمريكي مايكل والتز، وبدعم من كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولوس.
غير أن هذا المسار لم يفض، بحسب المبعوث الأممي، إلى تجاوز الخلافات القائمة، رغم التحركات الأمريكية والجهود التي بذلها عدد من أعضاء الأمم المتحدة. واعتبر أن الخروج من حالة الجمود بات أمرا بالغ الصعوبة من دون تدخل واضح من مجلس الأمن، الذي دعاه إلى حسم الغموض الذي يكتنف القرار 2797 وتحديد الإطار الذي ستتحرك ضمنه المفاوضات المقبلة.
وعزا دي ميستورا تعثر المسار السياسي إلى ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، وعدم انخراط جبهة البوليساريو بجدية في مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي باعتباره خيارا محتملا للتسوية، فضلا عن تعقيد القضايا المطروحة على طاولة الحوار.
وفي هذا السياق، كشف أن المغرب قدم مقترحا موسعا للحكم الذاتي يقع في 39 صفحة، معتبرا أنه يشكل أساسا متينا يمكن الانطلاق منه في المفاوضات. لكنه أوضح أن الوثيقة لا تمثل صيغة نهائية جاهزة للاعتماد، بل تحتاج إلى نقاش وتفاوض بين الطرفين، بما يتيح تطوير مضامينها والبحث في تفاصيلها.
ودعا المبعوث الأممي مجلس الأمن إلى توضيح ما وصفه بمواطن الغموض في القرار 2797، على نحو يجعل الحكم الذاتي محور المباحثات المقبلة، بصرف النظر عن النتائج النهائية التي قد تفضي إليها المفاوضات.
وفي تقييمه لخيارات التسوية، أشار دي ميستورا إلى أن صيغاً أخرى ربما كانت ممكنة في مراحل سابقة، وقد تبرز بدائل مختلفة مستقبلا، غير أنه يرى في المرحلة الحالية أن مبادرة الحكم الذاتي الحقيقي تستحق أن تحظى بالأولوية في الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع.
وربط المبعوث الأممي هذا التوجه بثلاثة شروط أساسية، أولها أن يكون الحكم الذاتي حقيقيا وفعليا، وثانيها أن يخضع لمسار ذي مغزى لممارسة حق تقرير المصير، وثالثها أن يحظى بضمانات دولية قوية من مجلس الأمن تكفل تنفيذه بصورة كاملة.
وقدم دي ميستورا تصورا لمضمون الحكم الذاتي الذي يدعو إليه، يقوم على إرساء مؤسسات تمنح سكان الصحراء سلطة فعلية في اتخاذ القرارات السياسية المرتبطة بحياتهم اليومية، مع توفير الظروف الملائمة لعودة اللاجئين الصحراويين بصورة آمنة وكريمة، وتمكينهم من العيش دون خوف على أمنهم وسلامتهم.
ويشمل هذا التصور، وفق الإحاطة، تمكين السكان من إدارة شؤونهم بأنفسهم، بما في ذلك سن القوانين وتسيير المؤسسات المكلفة بالخدمات العامة، والعمل في القضاء، وتولي مسؤوليات حفظ النظام والأمن، إلى جانب ممارسة الأنشطة الاقتصادية في مجالي الصناعة والتجارة.
كما شدد دي ميستورا على أهمية إشراك جبهة البوليساريو والصحراويين الآخرين شركاء في إدارة الإقليم، مع ضمانات تحول دون إلغاء الحكم الذاتي أو تقويضه بشكل أحادي عبر قرار مفاجئ أو مرسوم أو إجراء إداري. وأكد أن الضمانات الدولية ينبغي أن تكفل استمرارية هذا الترتيب في الحاضر والمستقبل، مع ضرورة أن يستند إلى ممارسة فعلية وذات مغزى لحق تقرير المصير.
وبالتوازي مع المسار التفاوضي، كشف المبعوث الأممي عن مبادرة جرى إعدادها بالتعاون مع برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأُبلغت بها جبهة البوليساريو في 2 شتنبر الماضي، بموجب رسالة وقعها المفوض السامي والسفير الأمريكي مايكل والتز ودي ميستورا.
وتقترح المبادرة تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى مدينتي العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع الراهنة في الإقليم، وطرح أسئلة بشأن مقترح الحكم الذاتي. ويرى دي ميستورا أن هذه الخطوة يمكن أن تساعد على تطوير المقترحات المطروحة وتحسينها، فضلا عن المساهمة في بناء قاعدة اجتماعية داعمة لتسوية مستدامة.
وأوضح أن جبهة البوليساريو ردت على الرسالة في 14 شتنبر، معلنة استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذ المبادرة، وهو ما اعتبره المبعوث الأممي انفتاحا ينبغي مواصلته والبناء عليه. وفي المقابل، دعا إلى عدم إغفال الظروف الإنسانية للاجئين في مخيمات تندوف، وكذلك الموجودين وسط المجتمعات المحلية في مناطق أخرى، ولا سيما موريتانيا.
وفي ختام إحاطته، دافع دي ميستورا عن صراحته في تقييم وضع المفاوضات، معتبرا أن الحياد لا يعني السلبية، خصوصا في مرحلة تتطلب الوضوح وتقديم تقييم واقعي أمام مجلس الأمن. وأعرب عن أمله في أن ينخرط الطرفان، بعد اعتماد القرار المقبل للمجلس، في مفاوضات منسقة وبحسن نية لاستكشاف إمكانية التوصل إلى حكم ذاتي حقيقي، انسجاما مع الدعوة الواردة في الفقرة 60 من أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة.
ووجه المبعوث الأممي رسالة إلى جبهة البوليساريو مفادها أن المطلوب لا يقتصر على قبول مقترح الطرف الآخر، بل يشمل دراسة المشروع المغربي وطلب توضيحات بشأنه، واقتراح تعديلات وتحسينات عليه، وتقديم أفكار بناءة بشأن بنوده، بما يساعد على بلورة تسوية توافقية تحظى بدعم دولي. وأعرب عن أمله في أن تقدم الجبهة على هذه الخطوة قبل نهاية العام الجاري، بمساعدة جماعية من الأطراف المعنية.
وفي المقابل، أكد دي ميستورا أن إحراز تقدم لن يكون ممكنا من دون مرونة متبادلة، مشددا على أن المرحلة المقبلة تستدعي ما وصفه بـ«مرونة تاريخية وشجاعة سياسية»، لا من جانب جبهة البوليساريو وحدها، وإنما من جانب المغرب أيضا، في مسعى لإنهاء الجمود وفتح الطريق أمام تسوية سياسية للنزاع.