يعيش المشهد الحزبي والسياسي المغربي ديناميكيات متجددة تثير تساؤلات واسعة حول طبيعة العلاقات المؤسساتية وأدوار الفاعلين الحزبيين داخل المؤسستين التشريعية والتنفيذية.
وفي ظل التطورات المرتبطة بتشكيل التحالف الحكومي وتوزيع المواقع بين الأغلبية والمعارضة، تبرز نقاشات عميقة حول قدرة مختلف التشكيلات السياسية على تأطير النقاش العمومي، وتقديم بدائل تدبيرية وتشريعية، ومدى تأثير المسارات التاريخية والسياسية للأحزاب على أدائها البرلماني والرقابي.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي إدريس قصوري أن المشهد الحزبي والسياسي يعيش على وقع توازن سلبي بين الأغلبية والمعارضة، فقد أكد أن دخول حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية إلى الحكومة يعني أنه لن تكون هناك معارضة قوية، نظرا لأن المعارضة الحالية تظل مشتتة على ثلاثة أطراف رئيسية من غير المنتسبين للأغلبية، وتصل التعارضات بينها إلى حد أن بعضها قد يظهر ولاء للحكومة يفوق معارضتها لها.
وأوضح قصوري من خلال تصريح خص به جريدة “بلبريس” تفاصيل مواقف مكونات المعارضة؛ مبينا أن حزب التجمع الوطني للأحرار، ورغم خروجه مكرها ودون أي اعتبار من الحكومة الحالية التي كان يطمح للمشاركة فيها، وبسبب ما خلفته الحملات الانتخابية من سقف انتقادات متبادلة، سيلجأ إلى الصمت خوفا من إحراج الحكومة أو تحمل المسؤولية وتفاديا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، فضلا عن افتقاره لأطر وأعضاء بالعدد الكافي لممارسة معارضة قوية ومؤسسة على التدبير الحكومي والمالي والتشريعي.
أما حزب الحركة الشعبية، فعلى الرغم من إعلانه الخروج للمعارضة والتعبير عن غضبه ورفضه لبعض سياسات الأغلبية، إلا أن تركيز بيانه على قضايا كبرى كالدفاع عن القضية الوطنية وسبتة ومليلية كمادة أولى، يجعله مسايرا للتوجه الحكومي، وستظل معارضته خافتة ومحتشمة لعدم توفره على فريق وازن ومؤثر، رغم ترأس شباط لمجموعته البرلمانية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن حزب العدالة والتنمية هو الطرف الوحيد الذي سيخوض معارضة شرسة وقوية بهدف تطوير أدائه وتحسين رصيده الانتخابي وإحراج الحكومة بإظهار عجزها، مستندا إلى كفاءات وازنة وذات تجربة برلمانية وسياسية ومالية واقتصادية واسعة، غير أن رصيدهم قد لا يحفره الرأي العام كإنجاز إيجابي إلا لدى المتعاطفين والمناضلين.
وفي المقابل، لفت قصوري إلى أن تحالف اليسار يظل ضعيفا ومشتتا بين أفراد وأصوات محدودة تعيد إنتاج خطابات متكررة دون فعالية جماعية كبرى، وأن تباعد المسارات التاريخية وتراكم الفجوات بين هذه الأحزاب يمنع التقاءها في معارضة موحدة.
وعلى مستوى الأغلبية الحكومية، أشار قصوري إلى أنها تعاني بدورها من هشاشة وضعف في القدرة على النقاش، الاستدلال، الإقناع، والحجاج، على الرغم من تمتعها بأريحية نسبية بفعل تشتت المعارضة، إلا أن أعضاء الحكومة وأحزابها بما فيها الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية والاستقلال، يفتقرون للقدرة على الرد الذاتي وصياغة خطاب منسجم.
وخلص ادريس قصوري إلى أن المرجعيات الفكرية واليسارية والاجتماعية أصبحت مجرد شعارات شكلية لا تعكسها الممارسة الفعلية، ولم يبرز في الواجهة سوى بعض الوجوه كوزير العدل عبد اللطيف وهبي، وأن المشهد يتسم بتوازن سلبي بين كتلتين تفتقران معا لعمق التأثير المؤسساتي الفعال.