جدل مصادقة الحكومة على مشروع المالية..لزرق يوضح اختصاصاتها قبل التنصيب

أثار إقرار مجلس الحكومة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 جدلا دستوريا وقانونيا واسعا بشأن مدى شرعية مصادقة حكومة لم تحظ بعد بثقة البرلمان على هذا النص المالي الحساس؛ ويأتي هذا النقاش في ظل استحضار مقتضيات القانون التنظيمي المنظم لتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، وتحديدا المادة 38 التي تحصر بدقة بالغة نطاق اختصاصات وقرارات الحكومة المعينة قبل نيلها التنصيب التشريعي في حالات محددة حصريا.

ففي توقيت لافت، وبعد مرور 24 ساعة فقط على تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للبرنامج الحكومي أمام مجلس النواب، يوم الاثنين 19 من شهر أكتوبر الجاري، التأم المجلس الحكومي بعد زوال الثلاثاء 20 من شهر أكتوبر الجاري ليصادق على مشروع قانون المالية لسنة 2027؛ أي سلفا قبل استكمال محطتي مناقشة والتصويت على البرنامج الحكومي للولاية التشريعية الجديدة، وهو ما يفتقد معه التنصيب البرلماني الرسمي.

هذا الوضع عجل بطرح إشكالات دستورية وقانونية من طرف مجموعة من الأطراف السياسية حول جوهر المشروعية، لا سيما أن المادة 38 من القانون التنظيمي المذكور تقيد صلاحيات الحكومة غير المنصبة بحدود قانونية صارمة لا تتجاوزها.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي رشيد لزرق أن موجة الاتهامات الموجهة للحكومة بخرق الدستور إثر تقديمها لمشروع قانون المالية قبل نيلها التنصيب البرلماني تستند إلى خلط قانوني جوهري بين مرحلتي “إيداع” النص و”المصادقة” عليه، مشيرا إلى أن المتسرعين في إطلاق هذه الاتهامات يغفلون الفارق الأساسي بين الإجرائين.

وأوضح لزرق في تصريح خص به جريدة “بلبريس” أن الفرق بين المفهومين يتجلى في كون الإيداع لدى البرلمان لا يعني بأي حال من الأحوال إقرار النص أو جعله قانونا نافذا، وإنما يقتصر على إحالته إلى المؤسسة التشريعية بهدف الشروع في دراسته، مناقشته، تعديله، ثم التصويت عليه.

وأبرز رشيد لزرق في هذا الصدد أن هذا الإيداع محكوم بأجل قانوني صارم ومحدد ينتهي في 20 أكتوبر على أبعد تقدير، وهو إجراء ضروري لضمان انتظام المسطرة المالية وحسن سير مرافق الدولة.

وأكد المحلل السياسي أن المصادقة مسار مختلف تماما، إذ يجب التمييز الدقيق بين مرحلتين أساسيتين: مرحلة التداول في مشروع القانون داخل المجلس الحكومي قبل إيداعه استنادا إلى أحكام الفصل 92 من الدستور، وبين مرحلة المصادقة البرلمانية النهائية التي لا تتم إلا بعد المناقشة والتصويت تحت قبة البرلمان.

ومن هذا المنطلق، سجل لزرق ضعف بعض القراءات التي تخلط بين هذه المراحل وتعتبر مجرد إيداع المشروع اعتداء على الدستور.

وشدد المتحدث ذاته على أن التكييف القانوني الصحيح للإشارة يتطلب وضع النقاش في نصابه السليم؛ فبالرغم من أن المادة 38 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة محددة لصلاحيات الجهاز التنفيذي قبل تنصيبه، وأن تداول الحكومة في مشروع قانون المالية خلال هذه المرحلة يثير إشكالا قانونيا جديا، إلا أن هذا الإشكال ينبغي أن يناقش من حيث حدود الاختصاص الحكومي ومدى وجود ضرورة قانونية تبرر الإجراء، وليس من خلال الخلط بين الإيداع والمصادقة.

ولفت لزرق إلى أن الإيداع لا يعني المصادقة، كما أن احترام أجل الإيداع لا يعني بالضرورة سلامة جميع الإجراءات التي سبقته، مؤكدا أن من يسعى لإثبات وجود مخالفة دستورية عليه أن يحدد بدقة الإجراء الذي يراه مخالفا، والنص القانوني الذي تم خرقه، وأسباب عدم مشروعيته، بدل الاكتفاء بإطلاق اتهامات عامة.

وأضاف المحلل السياسي أن الدفاع عن سمو الدستور يستوجب قراءة متكاملة وشاملة لكافة مقتضياته دون تجزئة أو انتقاء فصل وتجاهل الباقي، مبرزا أن احترام الدستور لا يتحقق بتحويل كل إشكال قانوني قابل للنقاش إلى “خرق دستوري محسوم”، لأن ذلك يفرغ السجال من مقوماته القانونية الصلبة.

وخلص لزرق إلى أن جوهر السؤال القانوني الحقيقي لا يكمن فقط في التساؤل: هل أودعت الحكومة مشروع قانون المالية قبل تنصيبها؟ بل يمتد إلى البحث في: هل احترمت الحكومة، في المراحل السابقة للإيداع، حدود الاختصاصات التي يخولها لها القانون قبل حصولها على ثقة البرلمان؟ معتبرا أن هذا الفرق جوهري ومحوري بين نقاش دستوري جاد ورصين وبين اتهام سياسي يبحث عن سند قانوني.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *