جامعة القاضي عياض ورئيسها:نموذج الجامعة المواطنة والقيادة الجامعية المسؤولة

لم تعد الجامعة اليوم في زمن اقتصاد المعزفة مجرد فضاء للتعليم والتكوين وإنتاج المعرفة، بل أصبحت فاعلًا أساسيًا في مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وفي بناء جسور التواصل بين المجتمعات والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، تكتسب المبادرات الأكاديمية التي تتجاوز حدود الجامعة التقليدية أهمية متزايدة، خصوصًا عندما ترتبط بقضايا التنمية المجالية وبالرهانات الاستراتيجية التي تواجهها الدول في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتور بلعيد بوكادير رئيس جامعة الفاضي عياض الذي قام بمبادرة قادتها جامعة القاضي عياض لتعزيز حضورها الأكاديمي والعلمي بالأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال تنظيم ملتقيين علميين واقتصاديين دوليين بمدينة العيون والداخلة، بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة العيون-الساقية الحمراء، وغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الداخلة-وادي الذهب.

ولا يمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها مجرد نشاط جامعي عابر، بل باعتبارها خطوة تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، وتؤكد أهمية المعرفة في مواكبة التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية.

وتكمن أهمية هذه المبادرة في كونها تضع الجامعة في قلب دينامية التنمية، من خلال الانفتاح على الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، والعمل على خلق فضاءات مشتركة للحوار وتبادل الخبرات.

فالتنمية، في مفهومها المعاصر، لم تعد مرتبطة فقط بتوفير البنيات التحتية أو استقطاب الاستثمارات، وإنما أصبحت تتطلب أيضًا بناء رأسمال معرفي قادر على فهم التحولات الاقتصادية، واستشراف الفرص، وتقديم حلول تستجيب لحاجيات المجال الترابي.

ومن هنا، فإن الشراكة بين جامعة القاضي عياض وغرف التجارة والصناعة والخدمات بالعيون والداخلة تحمل دلالات مهمة، لأنها تجمع بين مؤسستين تتكامل وظائفهما رغم اختلاف طبيعة اشتغالهما. فالجامعة تمتلك الإمكانات العلمية والبحثية، بينما توفر الغرف المهنية معرفة دقيقة بواقع النسيج الاقتصادي، وبالتحديات التي تواجه المقاولات والفاعلين المحليين. ومن شأن هذا التكامل أن يفتح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية للتنمية، تقوم على ربط البحث العلمي بالحاجيات الاقتصادية، وتحويل المعرفة إلى رافعة للإنتاج والاستثمار والابتكار.

غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المبادرة تتجاوز بعدها التنموي المباشر، لتتقاطع مع الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز انفتاح المغرب على محيطه الأطلسي، وترسيخ مكانة الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً للتواصل والتعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي.

فالمبادرة الأطلسية الملكية لا تقوم فقط على تصور جغرافي أو اقتصادي، وإنما تعكس رؤية متكاملة لإعادة التفكير في موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي، من خلال جعل الواجهة الأطلسية مجالًا للتكامل والتنمية والتعاون.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة حضور الجامعة بالأقاليم الجنوبية باعتباره أحد الأبعاد العلمية والمعرفية لهذه الرؤية. فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى تحتاج، إلى جانب الإرادة السياسية والاستثمارات الاقتصادية، إلى مؤسسات علمية قادرة على مواكبتها بالبحث والتكوين والتفكير النقدي.

كما أن تعزيز الحضور الأكاديمي بالعيون والداخلة من شأنه أن يساهم في ترسيخ مكانة هذه المدن باعتبارها فضاءات للمعرفة والحوار والتبادل الدولي، وليس فقط مراكز اقتصادية أو إدارية.

وتبرز الدبلوماسية العلمية هنا باعتبارها مفهومًا يتجاوز الاستخدام التقليدي للمعرفة في المجال الأكاديمي، ليجعل منها وسيلة للتواصل بين المؤسسات والدول والمجتمعات. فالملتقيات العلمية والاقتصادية الدولية تتيح فرصًا لتبادل التجارب، وبناء العلاقات، وتعزيز التعاون بين الباحثين والفاعلين الاقتصاديين، كما تمنح الأقاليم الجنوبية إمكانات أوسع للاندماج في شبكات المعرفة والاقتصاد على المستوى الدولي.

ولعل الرهان الحقيقي لهذه المبادرة يتمثل في قدرتها على الانتقال من تنظيم الملتقيات إلى بناء تعاون مستدام، تكون له انعكاسات ملموسة على البحث العلمي والاقتصاد المحلي. فنجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بحجم المشاركة أو مستوى النقاش، وإنما أيضًا بما تفضي إليه من مشاريع مشتركة، وشراكات مؤسساتية، وفرص للتكوين والابتكار، وبما تتركه من أثر في تطوير النسيج الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم المعنية.

إن جامعة القاضي عياض، من خلال هذه المبادرة، تؤكد أن الجامعة المغربية مطالبة اليوم بتوسيع أدوارها والانخراط بصورة أكثر فعالية في القضايا الاستراتيجية والتنموية للمملكة. كما أن تعزيز حضورها بالأقاليم الجنوبية يعكس أهمية جعل المعرفة عنصرًا أساسيًا في بناء التنمية الترابية، وفي مواكبة التحولات التي تعرفها المنطقة.

وفي المحصلة، فإن الملتقيين العلميين والاقتصاديين الدوليين بالعيون والداخلة يشكلان فرصة لتعزيز التفاعل بين الجامعة والمحيط الاقتصادي، وفتح آفاق جديدة أمام الدبلوماسية العلمية، بما ينسجم مع الأبعاد التنموية والاستراتيجية للمبادرة الأطلسية الملكية. وهي مبادرة تبرز أن مستقبل التنمية لا يصنعه الاستثمار وحده، بل تصنعه أيضًا المعرفة، والقدرة على بناء الشراكات، والانفتاح على العالم من موقع الثقة في الإمكانات الوطنية والجهوية.

ونشير هنا إلى تزامن تواجد جامعة القاضي عياض  برئيسها وعمدائها واساتذتها وطلبتها بالاقاليم الجنوبية مع الاحتفاء بعيد الوحدة الوطنية والذكرى المجيدة للمسيرة الخضراء المظفرة، وانخراطًا في مواكبة الدينامية التنموية المتسارعة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة تحت الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وترسيخاً للدور المحوري للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عبر الجامعة المغربية باعتبارها رافعة أساسية لإنتاج المعرفة وتثمين الرأس المال البشري وتعزيز دينامية التنمية الترابية، حيث نظمت جامعة القاضي عياض، بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة العيون-الساقية الحمراء وغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الداخلة-وادي الذهب، ملتقيين علميين واقتصاديين دوليين رفيعي المستوى بمدينةالعيون يومي 30 و31 أكتوبر و بمدينة الداخلة يومي 03 و 04 نونبر 2026.

 

وشهدت أشغال التظاهرتين تعبئة أكاديمية ومؤسساتية استثنائية، تجسدت في الحضور الوازن للسيد رئيس جامعة القاضي عياض، مرفقًا بتلات نواب الرئيس، وعمداء ومديري ست مؤسسات جامعية ونخب وازنة من الأساتذة الباحثين وطلبة سلك الدكتوراه. وقد تعزز هذا الحضور الرفيع المستوى بتفاعل مباشر مع السلطات الترابية والهيئات المنتخبة والمؤسسات الشريكة، بحضور السيد والي جهة العيون-الساقية الحمراء، والسيد الكاتب العام لولاية جهة الداخلة-وادي الذهب، إلى جانب نواب رؤساء المجالس الجهوية، ورؤساء المجالس الجماعية، ورؤساء الغرف المهنية الشريكة وأعضائها.

وفي تلاحم أكاديمي وطني ودولي يعكس مكاسب الشراكة العلمية، امتد الوجود الأكاديمي ليشمل مشاركة وازنة من الجامعات والمؤسسات البحثية الوطنية والدولية ، حيث شارك في صنع هذا الإشعاع العلمي أساتذة باحثين من جامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجامعة ابن زهر بأكادير، وجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، إلى جانب مشاركة دولية تمثلت في جامعة البوليتكنيك أو دو فرانس (Université Polytechnique Hauts-de-France) ، ومؤسسة البحث والابتكار BESTTIC بفرنسا.

وقد انطلقت هذه الدينامية من مدينة العيون يومي 30 و31 أكتوبر 2026 بالمكتبة الوسائطية الكبرى محمد السادس، عبر تنظيم الملتقى العلمي الدولي في موضوع: «العيون الساقية الحمراء بوابة المغرب الأطلسية نحو إفريقيا: الاستثمار الأوروبي والتعاون الأورو-إفريقي والتنمية الترابية»، والذي سجل مشاركة 276 فاعلاً وأكاديمياً عبر مداخلات علمية تناولت الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة الملكية الأطلسية. وقد أثمرت محطة العيون التوقيع على اتفاقية إطار بين جامعة القاضي عياض وغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة العيون-الساقية الحمراء لتأسيس «اكاديمية جهوية للتكوين المستمر وتنمية الكفاءات لأعضاء ومنتسبي الغرفة» للتكيف المستمر للكفاءات مع متطلبات سوق الشغل المتجددة بالجهة.

كما تم في ختام فعالية هذا المؤتمر, الإعلان عن نتائج المسابقة الوطنية للابتكار «MOROCCAN SAHARA INNOVATION CHALLENGE 2026» التي نظمتها جامعة القاضي عياض حيث انطلقت فعالياتها بمدينة الابتكار بمراكش بمشاركة 270 طالبة وطالب من حاملي الأفكار والمشاريع المبتكرة واختُتمت بالعيون بتتويج 11 مشروعا فائزا.

وتواصلاً لهذا الزخم التنموي، احتضن قصر المؤتمرات بمدينة الداخلة يومي 03 و04 نونبر 2026 أشغال الملتقى الدولي حول: «توطيد المكتسبات الاقتصادية لجهة الداخلة – وادي الذهب: دعم المقاولة وتشجيع الاستثمار الخاص». وركزت جلسات الملتقى على مناقشة السبل الكفيلة بتحسين مناخ الأعمال، وتأمين الاستثمار الخاص، ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لتطوير قطاعات الصيد البحري، الفلاحة، الطاقات المتجددة، واللوجستيك، بما يخدم اندماج دول الساحل وتفعيل المبادرة الأطلسية للمملكة.

وقد كللت محطة الداخلة بالتوقيع على اتفاقية إطار بين جامعة القاضي عياض وغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الداخلة – وادي الذهب لتأسيس «اكاديمية جهوية للتكوين المستمر وتنمية الكفاءاتلأعضاء ومنتسبي الغرفة» للملاءمة المستمرة للكفاءات مع حاجيات سوق الشغل المتحددة بالجهة.

وشكّلت مشاركة جامعة القاضي عياض، ممثَّلةً في رئيسها ونوابه وعمداء ومديري مؤسساتها، إلى جانب باحتين من الجامعات الشريكة داخل المملكة وخارجها، تجسيدًا لقناعة راسخة بالدور المحوري للمؤسسة الجامعية في مواكبة التوجهات الاستراتيجية الوطنية، وتسخير البحث العلمي والابتكار لإيجاد حلول عملية تُعزّز تنافسية الأقاليم الجنوبية للمملكة، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتعاون الأورو-إفريقي.

واختُتمت أشغال الملتقيين برفع برقيتي الولاء والإخلاص إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيّده، مع التأكيد على الالتزام المؤسساتي المشترك بتفعيل التوصيات المنبثقة عنهما، وترسيخ التعاون بين الجامعة ومحيطها السوسيو-اقتصادي باعتباره رافعةً مستدامةً للتنمية والازدهار الترابي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *