يتوجه المغاربة يوم 23 شتنبر 2026 إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 395 عضواً بمجلس النواب، في محطة سياسية لا يمكن اختزالها في مجرد استحقاق انتخابي دوري، بل تمثل لحظة مفصلية لاختبار متانة المسار الديمقراطي المغربي، باعتباره أحد الثوابت الدستورية للمملكة، وفرصة لتقييم قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع في سياق وطني وإقليمي ودولي يتسم بقدر كبير من التحولات والتحديات.![]()
وتكمن أهمية هذه الانتخابات ليس فقط في معرفة الحزب أو التحالف الذي سيتصدر المشهد السياسي خلال الولاية المقبلة، وإنما أساساً في حجم المشاركة الشعبية التي ستواكب هذا الاستحقاق. فالمشاركة الانتخابية تعد أحد أهم مؤشرات الشرعية الديمقراطية، إذ إن قوة المؤسسات المنتخبة وفعاليتها ترتبط إلى حد بعيد بدرجة انخراط المواطنين في اختيار ممثليهم. وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف المشاركة قد يفرز مؤسسات تعاني من محدودية التمثيلية وتراجع الثقة المجتمعية.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من المؤشرات التي توحي بإمكانية تراجع نسبة المشاركة مقارنة باستحقاقات سنة 2021 التي تجاوزت 50 في المائة، مستفيدة من تنظيم الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه. ويبدو أن هذا التخوف لا يقتصر على المتتبعين والباحثين، بل يشمل كذلك السلطات العمومية والأحزاب السياسية، وهو ما يفسر فتح فترة استثنائية جديدة للتسجيل في اللوائح الانتخابية، في محاولة لتوسيع الهيئة الناخبة وتحفيز المواطنين على أداء واجبهم الوطني.
غير أن الإشكال الحقيقي يتجاوز الجوانب التقنية المرتبطة بالتسجيل والتصويت، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن إقناع فئات واسعة من الشباب، التي نشأت في عصر الرقمنة والشبكات الاجتماعية وتراجعت ثقتها في الوسائط السياسية التقليدية، بأن المشاركة الانتخابية ما تزال أداة فعالة للتأثير في السياسات العمومية وصنع القرار؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة بالنظر إلى الظرفية الاجتماعية والاقتصادية التي ستجرى فيها الانتخابات. فخلال الفترة الممتدة بين 2022 و2024، لم يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي 2.8 في المائة، بينما بلغت نسبة البطالة حوالي 13 في المائة، مع ارتفاعها إلى مستويات مقلقة في صفوف الشباب. وتعكس هذه المؤشرات تحديات حقيقية تواجه فئات واسعة من المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واستمرار التفاوتات المجالية.
ومن ثم، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بتقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ تستجيب لانتظارات المواطنين، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطابات التقليدية والشعارات العامة. فالتنافس الانتخابي لم يعد يقاس فقط بقدرة الأحزاب على التعبئة التنظيمية، بل بمدى قدرتها على تقديم حلول ملموسة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق الناخبين.
وعلى المستوى المؤسساتي، ستجرى انتخابات 2026 في ظل منظومة انتخابية شهدت عدداً من التعديلات المهمة خلال السنوات الأخيرة، من أبرزها إلغاء العتبة الانتخابية، واعتماد نمط احتساب المقاعد على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وتعزيز آليات الرقابة على التمويل الانتخابي، وتشديد شروط الترشح، فضلاً عن الإجراءات الرامية إلى توسيع مشاركة الشباب والحد من تأثير المال الانتخابي.
غير أن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهيناً بمدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبتها من خلال تجديد نخبها وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطنين. فالمعضلة التي تواجه جزءاً من المشهد الحزبي المغربي لا ترتبط فقط بالقوانين الانتخابية، بل أيضاً باستمرار بعض الممارسات التقليدية القائمة على إعادة تدوير النخب نفسها والاعتماد على الوجوه ذاتها والبرامج ذاتها، وهو ما يساهم في توسيع فجوة الثقة بين المنتخبين والناخبين.
ومهما تكن نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026، فإن التحديات الكبرى التي تواجه المغرب ستظل قائمة، سواء تعلق الأمر بإصلاح التعليم والصحة، أو بتعزيز أسس الدولة الاجتماعية، أو بتحقيق العدالة المجالية، أو بمواصلة تعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً. غير أن ما يفترض أن تفرزه هذه الانتخابات هو مؤسسات أكثر تمثيلية، ونقاش عمومي أكثر جودة، ومشاركة مواطنة أكثر فعالية.
إن الأشهر القليلة التي تفصل المغرب عن هذا الموعد الانتخابي ينبغي أن تتحول إلى فرصة لنقاش وطني مسؤول حول البرامج والسياسات العمومية والبدائل التنموية، بعيداً عن الشخصنة والشعارات الظرفية. فالديمقراطية ليست مجرد عملية تصويت تتكرر كل خمس سنوات، بل هي مسار مستمر يقوم على المشاركة والمساءلة وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وعندما يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026، فإنهم لن يختاروا ممثليهم فحسب، بل سيجيبون أيضاً عن سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل البلاد: أي مغرب يريدون خلال العقد القادم؟ مغرب يكتفي بتدبير التحديات الراهنة، أم مغرب قادر على تحويلها إلى فرص لتعزيز التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟
belcadi@belpresse.com