الشعبوية والعدمية وانسداد تداول النخب: تحديات تهدد انتخابات 2026

تُجمع العديد من المؤشرات السياسية والاجتماعية على أن الانتخابات التشريعية المغربية المرتقبة في شتنبر 2026 لن تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل ستجري في سياق تتقاطع فيه تحديات متعددة تمسّ جوهر الممارسة الديمقراطية وجودة التمثيل السياسي. وفي مقدمة هذه التحديات تبرز ثلاث ظواهر مترابطة تتمثل في الشعبوية، والعدمية السياسية، وانسداد تداول النخب، وهي ظواهر لا يمكن النظر إليها باعتبارها إشكالات منفصلة، بل باعتبارها حلقات ضمن دائرة متشابكة تؤثر بشكل مباشر في الثقة السياسية وفي مستقبل البناء الديمقراطي.

تُعد الشعبوية من أكثر الظواهر السياسية حضوراً في السياقات الانتخابية المعاصرة. فهي ليست أيديولوجيا متكاملة بقدر ما تمثل أسلوباً في ممارسة السياسة يقوم على اختزال المجتمع في ثنائية حادة بين “شعب نقي” و”نخبة فاسدة”. وفي هذا الإطار، يتم تبسيط القضايا المعقدة وتقديم وعود سهلة وسريعة الاستجابة لمشاعر الغضب والإحباط الشعبي. وتكمن خطورة الشعبوية في قدرتها على استثمار المخاوف الجماعية واستبدال النقاش العقلاني بخطاب عاطفي يقوم على الاستقطاب والتعبئة، مما يؤدي إلى تحويل المنافس السياسي من شريك في العملية الديمقراطية إلى خصم وجودي ينبغي إقصاؤه.

ولا تقف آثار الشعبوية عند حدود الخطاب الانتخابي، بل تمتد إلى إضعاف المؤسسات الوسيطة التي تشكل ركائز الديمقراطية، مثل الأحزاب السياسية والإعلام المهني والقضاء المستقل. كما تسهم في تطبيع التضليل السياسي وإفراغ النقاش العمومي من مضمونه المعرفي، بما يجعل المجال العام أكثر هشاشة أمام الأخبار الزائفة والخطابات الانفعالية. وتُظهر العديد من التجارب الدولية أن الحركات الشعبوية التي تصل إلى السلطة باسم محاربة النخب التقليدية غالباً ما تعيد إنتاج نخب جديدة أكثر انغلاقاً وأقل خضوعاً للمحاسبة.

في المقابل، تمثل العدمية السياسية الوجه الآخر للأزمة الديمقراطية. فهي تعكس حالة من فقدان الثقة في جدوى الفعل السياسي وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث التغيير المنشود. وعندما يقتنع المواطن بأن صوته الانتخابي لا يؤثر في السياسات العمومية أو في طبيعة النخب الحاكمة، يصبح العزوف عن المشاركة خياراً مقبولاً، ويتحول الانتخاب من فعل مواطنة وأمل إلى ممارسة شكلية أو إلى مقاطعة احتجاجية.

وتتجلى هذه العدمية في انتشار خطاب يساوي بين جميع الفاعلين السياسيين دون تمييز، ويردد مقولات من قبيل “الجميع متشابهون” أو “لا شيء سيتغير”. وتكمن خطورتها في أنها تفرغ الفضاء العمومي تدريجياً من الفاعلين المعتدلين والمهتمين بالشأن العام، وتدفع فئات واسعة، خصوصاً الشباب والكفاءات الجديدة، إلى الانسحاب من المجال السياسي، مما يترك المجال أمام أقلية منظمة وقادرة على التعبئة لتحديد مآلات العملية السياسية.

أما انسداد تداول النخب فيمثل البعد البنيوي الذي يغذي الشعبوية والعدمية معاً. فمنذ أن تناول علماء الاجتماع السياسي، وفي مقدمتهم باريتو وموسكا، مسألة تداول النخب، أصبح واضحاً أن قدرة الأنظمة السياسية على تجديد قياداتها وفتح المجال أمام الكفاءات الصاعدة تشكل أحد شروط استدامتها وفعاليتها. وعندما تستمر الوجوه نفسها في مواقع القرار لسنوات طويلة، أو عندما تعجز الأحزاب عن تجديد نخبها وآليات اشتغالها، يتولد شعور متزايد لدى الأجيال الجديدة بأن فرص المشاركة والترقي السياسي محدودة، وأن المجال السياسي مغلق أمام الطاقات الجديدة.

ويؤدي هذا الوضع إلى نتيجتين متلازمتين: فمن جهة يدفع جزءاً من المواطنين إلى الانسحاب والعزوف، وهو ما يعزز النزعة العدمية؛ ومن جهة أخرى يدفع آخرين إلى البحث عن بدائل راديكالية تتجاوز المؤسسات التقليدية، وهو ما يوفر التربة المناسبة لصعود الخطابات الشعبوية. وهكذا يتحول انسداد تداول النخب إلى عامل رئيسي في إنتاج أزمة الثقة السياسية.

إن العلاقة بين هذه الظواهر الثلاث ليست علاقة تزامن فحسب، بل علاقة سببية متبادلة. فانسداد النخب يولد الإحباط الاجتماعي والسياسي، والإحباط يتحول إلى عدمية أو إلى شعبوية، والشعبوية حين تصل إلى السلطة كثيراً ما تنتج نخبة جديدة لا تختلف كثيراً عن سابقتها من حيث الانغلاق وضعف القابلية للمساءلة، فتتجدد الأزمة وتدخل

الديمقراطية في حلقة مفرغة يصعب كسرها،

.د.ميلود بلقاضي

وعلى مستوى الانتخابات المقبلة، يُتوقع أن تنعكس هذه التحديات في عدد من المظاهر المقلقة، من بينها تراجع جودة النقاش الانتخابي لصالح الشعارات والشخصنة، وتآكل الثقة في المؤسسات الانتخابية، وارتفاع معدلات العزوف السياسي، وصعوبة تشكيل أغلبيات حكومية مستقرة وقادرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية. كما قد يؤدي ذلك إلى صعود قوى احتجاجية تمتلك القدرة على التعبئة والمعارضة، لكنها تفتقر إلى البرامج والسياسات القادرة على تدبير الشأن العام.

إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في نتائج الانتخابات، بل في التأثير التراكمي لهذه الظواهر على الثقافة الديمقراطية ذاتها. فحين تتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات والإعلام، ويتحول الفضاء العمومي إلى ساحة للاستقطاب والتضليل، تصبح الديمقراطية أكثر عرضة للتآكل التدريجي من الداخل، حتى وإن استمرت الإجراءات الانتخابية بشكلها القانوني والمؤسساتي.

لذلك، فإن مواجهة هذه التحديات تقتضي مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقنية الضيقة. فالإصلاح الانتخابي يظل ضرورياً، لكنه غير كافٍ ما لم يُواكب بتجديد حقيقي للأحزاب السياسية وآليات اشتغالها الداخلية، وتعزيز ثقافة المواطنة والمشاركة، وتوفير فضاءات للنقاش العمومي الرصين، ودعم إعلام مستقل وقضاء فعال قادرين على ترسيخ الثقة في المؤسسات. كما أن فتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنخب الجديدة للمشاركة في صناعة القرار يمثل شرطاً أساسياً لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح انتخابات 2026 لن يُقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، بل بمدى قدرتها على تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وعلى فتح أفق سياسي جديد يعيد الاعتبار للمشاركة الديمقراطية باعتبارها أداة للتغيير والإصلاح، لا مجرد إجراء دوري لتجديد النخب نفسها بصيغ مختلفة.

 

belcadi@belpresse.com

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *