طرح الكشف عن لائحة مرشحي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الدوائر المحلية، في أفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، إشكالية لافتة تتجاوز منطق الأسماء نحو عمق سؤال التمثيلية السياسية للنساء داخل التنظيمات الحزبية ذات المرجعية اليسارية.
في ما يتعلق بالحضور النسائي ضمن الدوائر المحلية، فقد اقتصرت لائحة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على خمس مرشحات فقط، ويتعلق الأمر بكل من عائشة الكرجي التي تم ترشيحها بدائرة القنيطرة الغرب، وعائشة الكلاع بدائرة النواصر، ولطيفة الشريف بدائرة أنفا، وعويشة زلفي بدائرة طانطان، ثم رجاء مسو بدائرة أكادير إداوتنان، وهو ما يعكس محدودية التمثيلية النسائية في أهم فضاءات التنافس الانتخابي المباشر مقارنة بحجم الدوائر المحلية المعنية.
فبينما يُفترض في حزب يرفع شعارات المساواة والديمقراطية الاجتماعية أن يكون في طليعة المدافعين عن المناصفة، تكشف الأرقام عن مفارقة صارخة: خمسة أسماء نسائية فقط في مقابل عشرات الدوائر المحلية التي يتجاوز عددها 90 دائرة، وهو ما يضع حدوداً واضحة لخطاب المساواة حين يواجه اختبار الممارسة الانتخابية الفعلية.
هذا التفاوت العددي لا يمكن قراءته باعتباره تفصيلاً تنظيمياً أو اختياراً تقنياً في هندسة اللوائح، بل يعكس بنية أعمق تتعلق بكيفية توزيع فرص التنافس السياسي داخل الأحزاب، وبالذات في الدوائر المحلية التي تظل المجال الأكثر حساسية وحقيقية في قياس الوزن الانتخابي للمرشحين والمرشحات.
فهذه الدوائر ليست مجرد فضاء رمزي، بل هي ساحة التنافس المباشر التي تتشكل فيها الشرعية الانتخابية عبر الاحتكاك المباشر مع الناخبين، بخلاف اللوائح الجهوية التي غالباً ما تُبنى على اعتبارات التوازنات الداخلية وتُستخدم كآلية لتعويضات سياسية أكثر منها مجالاً للمنافسة المفتوحة.
من هذا المنظور، يصبح حضور النساء في اللوائح الجهوية، مهما كان مهماً من حيث المبدأ، غير كافٍ لقياس مدى العدالة الجندرية داخل العملية الانتخابية، لأن معيار القوة السياسية الحقيقي يظل مرتبطاً بالدوائر المحلية. وهنا تبرز المفارقة الأساسية: حزب ذي مرجعية يسارية، يفترض أن يكون أكثر التزاماً بمبدأ المناصفة أو الاقتراب منه على الأقل، يقدّم أرقاماً تعكس فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، حيث لا تتجاوز نسبة النساء في الدوائر الأكثر تنافسية سقفاً رمزياً لا يعكس حجم الكفاءات النسائية داخل الحزب ولا داخل المجتمع.
وتزداد هذه الإشكالية عمقاً حين يُنظر إلى السياق العام للنقاش السياسي حول المشاركة السياسية للنساء في المغرب، حيث تمثل المناصفة أحد المداخل الدستورية الكبرى لإعادة تشكيل المشهد السياسي نحو مزيد من العدالة التمثيلية. غير أن الواقع الحزبي، كما يظهر من هذه اللائحة، يكشف أن هذا المبدأ ما يزال يصطدم بحسابات انتخابية تقليدية، تجعل من الدوائر المحلية مجالاً احتكارياً شبه ذكوري، في حين تُترك للنساء مساحات أقل تنافسية أو ذات طابع تعويضي.
إن استمرار هذا النمط في توزيع التزكيات يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الديمقراطية الداخلية للأحزاب، ومدى قدرتها على تحويل شعارات المساواة إلى ممارسة مؤسساتية حقيقية. فحين تُختزل مشاركة النساء في أرقام محدودة داخل فضاء تنافسي واسع، فإن ذلك لا يعكس فقط خللاً في التمثيل، بل يشير أيضاً إلى خلل أعمق في تصور موقع المرأة داخل العملية السياسية ذاتها.
وبين منطق الأرقام ومنطق الخطاب، تبدو الفجوة واضحة: 92 دائرة محلية مقابل خمس مرشحات فقط ليست مجرد معطى إحصائي، بل مؤشر سياسي على أن معركة المناصفة ما تزال بعيدة عن أن تتحول إلى قاعدة داخل الممارسة الحزبية، حتى لدى الأحزاب التي تجعل من العدالة الاجتماعية جزءاً من هويتها الفكرية والسياسية.