من أبي الجعد..البام يختبر نبض الشارع ويعيد ترتيب أوراقه ميدانيا

بقلم:  أسماء مقاس

في السياسة، لا تقاس قوة الأحزاب فقط بحجم حضورها داخل المؤسسات، ولا بعدد المواقف التي تصدرها أو الخطابات التي تلقيها، وإنما بقدرتها على البقاء قريبة من المواطن، والاستماع إلى انشغالاته، والتفاعل مع انتظاراته المتغيرة. فالميدان يظل، في نهاية المطاف، الاختبار الأكثر واقعية لمدى حضور الفاعل السياسي داخل المجتمع.

من مدينة أبي الجعد، اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يواصل ديناميته الميدانية والتواصلية مع الساكنة، من خلال لقاء تواصلي حاشد عرف حضور قيادات بارزة، في مقدمتها ليلى بنعلي، وهشام الصابيري، وعادل بركات، إلى جانب عدد من المنتخبين والمناضلين والفعاليات المحلية.

اللقاء شكل مناسبة لفتح باب الحوار المباشر مع المواطنين، وتبادل الآراء حول أبرز القضايا والانشغالات المحلية، وطرح المقترحات الكفيلة بالاستجابة لتطلعات الساكنة ومواصلة العمل التنموي على أرض الواقع.

غير أن أهمية هذه المحطة لا تختزل في بعدها التنظيمي؛ فتوقيتها وسياقها يمنحانها دلالة سياسية أوسع، في ظل تحولات يعرفها المشهد الحزبي المغربي، واستعداد مختلف الفاعلين السياسيين لمرحلة تفرض إعادة ترتيب الأوراق وتعزيز جسور الثقة مع الناخبين.

من الخطاب إلى الإنصات: حين تستعيد السياسة معناها الميداني
أبرز ما تعكسه مثل هذه اللقاءات هو الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى التواصل المباشر مع المواطن.

فالأحزاب، مهما بلغت قوة حضورها المؤسساتي، تظل في حاجة إلى الميدان لمعرفة ما يشغل المواطنين فعليا، وما ينتظرونه من المنتخبين والمؤسسات، وما إذا كانت البرامج والسياسات العمومية تجد صداها في حياتهم اليومية.

والمواطن بدوره لا يقيس العمل السياسي بالشعارات وحدها، وإنما بمدى انعكاسه على واقعه المعيش، وبقدرته على تقديم حلول ملموسة للقضايا التي تشغله.

ومن هنا، تصبح اللقاءات التواصلية فضاء مزدوج الوظيفة: فهي تمنح الحزب فرصة للاستماع وقياس نبض الشارع، كما تمنح المواطن فرصة لطرح أسئلته وملاحظاته وانتقاداته ومقترحاته بشكل مباشر أمام المسؤولين والمنتخبين.

وبذلك، لا يعود التواصل مجرد نشاط حزبي ظرفي، وإنما يتحول إلى إحدى آليات إعادة بناء العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، خصوصا في مرحلة أصبح فيها المواطن أكثر تدقيقا في الخطاب وأكثر مطالبة بالنتائج.

18 سنة من «البام»: مسار سياسي بين التراكم والاختبار
تأتي هذه الدينامية الميدانية في سياق يستحضر فيه حزب الأصالة والمعاصرة مساره السياسي الممتد لنحو 18 سنة، وهي تجربة جعلته واحدا من أبرز مكونات المشهد الحزبي المغربي.

وعلى امتداد هذه السنوات، انتقل الحزب من موقع المعارضة إلى المشاركة في تدبير عدد من المؤسسات المنتخبة، وصولا إلى الحضور ضمن الأغلبية الحكومية، وهو مسار أتاح له تراكم تجربة سياسية وتنظيمية ومؤسساتية مهمة.

غير أن الانتقال من المعارضة إلى مواقع التدبير يغير، بالضرورة، طبيعة المسؤولية السياسية. فالحزب الموجود في موقع القرار لا يسأل فقط عن مواقفه وخطابه، وإنما يصبح مطالبا أيضا بتقديم حصيلة يمكن قياسها ومناقشتها وتقييمها أمام المواطن والرأي العام.

وبين الأزمات والتحديات والضربات المتتالية التي عرفها الحزب خلال مساره، ظل الرهان بالنسبة إلى قياداته ومناضليه مرتبطا بالحفاظ على تماسك التنظيم وتجديد حضوره والاستمرار في المشهد السياسي.

ومن هذه الزاوية، فإن العودة القوية إلى الميدان لا تبدو مجرد خيار تنظيمي، وإنما تحمل أيضا رغبة في تجديد الصلة بالمجتمع، واستعادة التواصل المباشر مع المواطن، وتأكيد أن الحزب يريد أن يظل حاضرا ليس فقط داخل المؤسسات، وإنما أيضا في الفضاء الذي تختبر فيه السياسة فعليا: الشارع.

أبي الجعد: جغرافيا محلية تحمل رسائل سياسية
اختيار أبي الجعد كمحطة لهذا اللقاء يكتسي بدوره أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المدن والمناطق المحلية أصبحت تشكل مجالا أساسيا للتنافس السياسي، حيث تتقاطع انتظارات المواطنين مع رهانات الأحزاب والمنتخبين على التنمية المحلية.

فالرهان الانتخابي لا يبدأ يوم الاقتراع، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ من خلال بناء الثقة، وتوسيع شبكات التواصل، والاستماع إلى الفاعلين المحليين، والاقتراب من القضايا التي تشكل صلب الحياة اليومية للمواطن.

 

وفي المجال المحلي تحديدا، تصبح السياسة أكثر التصاقا بالواقع. فالنقاش لا يدور فقط حول البرامج والشعارات الكبرى، وإنما حول الخدمات العمومية، والبنيات التحتية، وفرص الشغل، والتنمية، وتحسين ظروف العيش، وغيرها من الملفات التي تحدد علاقة المواطن بالمؤسسات.

ومن هنا، يمكن قراءة الحضور القوي لـ«البام» في أبي الجعد باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع تروم تثبيت الحضور التنظيمي والسياسي للحزب، وتعزيز علاقته بالمجال وبالناخبين والفاعلين المحليين.

فالحضور في الميدان يمنح الحزب إمكانية الاستماع إلى الواقع كما هو، بعيدا عن الوسائط، كما يمنحه فرصة لإعادة ترتيب أولوياته وفقا لما يطرحه المواطنون من انتظارات وتحديات.

من الحضور إلى الثقة: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء
قد يكون تنظيم اللقاءات التواصلية مؤشرا على قوة التعبئة التنظيمية، لكن نجاحها السياسي لا يقاس فقط بعدد الحاضرين أو بحجم التفاعل الذي تعرفه لحظة انعقادها.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء.

فهل تتحول ملاحظات المواطنين إلى مقترحات عملية؟ وهل تجد هذه المقترحات طريقها إلى المؤسسات؟ وهل يستمر التواصل بعد انتهاء المناسبة؟ وهل يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن ملاحظاته تجد من يتابعها؟

هذه الأسئلة تجعل من التواصل السياسي مسؤولية مستمرة، وليس مجرد محطة موسمية مرتبطة بالاستحقاقات.

وبالنسبة إلى حزب يشارك في تدبير العمل الحكومي ويحضر داخل المؤسسات المنتخبة، فإن سقف الانتظارات يصبح أكبر، كما تصبح الحاجة إلى التواصل والإنصات أكثر إلحاحا.

فالثقة السياسية لا تبنى بخطاب واحد، ولا تستعاد بلقاء واحد، وإنما تحتاج إلى تراكم من الحضور والإنصات والعمل والقدرة على الوفاء بالالتزامات.

السياسة تبدأ من الميدان: أبي الجعد كرسالة للمرحلة المقبلة
تكشف محطة أبي الجعد مرة أخرى أن السياسة، مهما تطورت أدواتها الرقمية والإعلامية، تظل في جوهرها مرتبطة بالميدان.

فاللقاء المباشر مع المواطنين يمنح الأحزاب إمكانية الاستماع إلى ما لا يظهر دائما في استطلاعات الرأي أو على منصات التواصل الاجتماعي، كما يسمح للساكنة بطرح أسئلتها وانتقاداتها ومقترحاتها أمام المسؤولين والمنتخبين.

وبالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فإن تكثيف هذه اللقاءات يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تقديم نفسه للناخبين، ليس فقط باعتباره حزبا حاضرا داخل المؤسسات، وإنما كتنظيم مطالب بالحفاظ على صلته اليومية بالمجتمع والاستجابة الفعلية لانتظاراته.

وعبر هذه المحطة، يواصل «البام» بعث رسائله السياسية التي تؤكد على 18 سنة من الحضور والعمل، وعلى رهان الاستمرارية، سواء داخل المؤسسات أو من موقع تدبير العمل الحكومي.

ورغم مختلف الضربات والأزمات التي عرفها الحزب خلال مساره، فإن قياداته ومناضليه يراهنون على قوة التنظيم وعلى الإيمان بالمشروع السياسي للحزب، وعلى قدرته على الحفاظ على حضوره وتجديد علاقته بالمواطنين.

وفي انتظار ما ستفرزه المرحلة المقبلة من تحولات سياسية وانتخابية، تبدو رسائل أبي الجعد واضحة: الحضور في الميدان، والإنصات للمواطن، وتجديد الثقة، ستكون جميعها عناصر حاسمة في رسم خريطة التنافس السياسي خلال المرحلة المقبلة.

فالمعركة السياسية لا تحسم فقط يوم الاقتراع، والثقة لا تبنى في موسم انتخابي قصير؛ إنها مسار تراكمي يبدأ من القرب، ويتعزز بالإنصات، ويختبر بالعمل والنتائج.

ومن أبي الجعد، يبدو أن «البام» اختار أن يضع نفسه مجددا أمام مرآة الميدان؛ وهي المرآة التي لا تكتفي بعكس صورة الحضور، وإنما تكشف أيضا حجم الثقة، ودرجة الانتظارات، وقدرة الفاعل السياسي على تحويل التواصل إلى فعل، والحضور إلى التزام، والخطاب إلى ممارسة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *