في مشهد يختزل حجم الكارثة، تحولت جيجل من واحدة من أجمل مناطق الساحل الشرقي الجزائري إلى مساحات واسعة تكسوها النيران والرماد، بعدما اجتاحت الحرائق مناطق غابية وسكنية وخلفت قتلى وجرحى وخسائر بيئية ومادية ثقيلة. وبينما تحاول السلطات الجزائرية احتواء تداعيات الفاجعة، تطرح سرعة انتشار النيران وحجم الخسائر أسئلة محرجة حول مدى جاهزية منظومة الوقاية والتدخل في مواجهة الكوارث الطبيعية.
وكانت بلدة الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل على موعد مع مشهد بالغ القسوة، بعدما شيّعت بشكل جماعي 39 من ضحايا الحرائق بمقبرة دار البقاء، وسط حضور رسمي تقدمه الوزير الأول سيفي غريب ووفد حكومي بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون.
وتبدو جيجل الأكثر تضررا من موجة الحرائق التي ضربت شرق ووسط الجزائر، بعدما التهمت ألسنة اللهب مساحات واسعة من غطائها الغابي، وسط رياح قوية ودرجات حرارة قياسية اقتربت من 50 درجة مئوية. كما امتدت النيران إلى مناطق أخرى، مخلفة ضحايا وخسائر في الممتلكات والثروة الزراعية والحيوانية.
وفي بجاية وتيزي وزو، سُجلت وفيات جديدة، بينما أتت الحرائق في ميلة على أكثر من 300 هكتار من الأشجار المثمرة وخلايا النحل والأدغال. أما سكيكدة، فقد أحصت السلطات 57 حريقا موزعة على 27 بلدية، في حين شهدت قالمة عمليات إجلاء لعائلات من المناطق المهددة، واستمرت عمليات التدخل في تبسة وسطيف وغليزان.
وتكشف الشهادات القادمة من المناطق المتضررة عن حجم مأساة لم تقتصر على خسارة المنازل والممتلكات، بل طالت عائلات بأكملها. فقد تحدثت مصادر محلية عن أرقام مرتفعة للضحايا في بني حبيبي، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين، في وقت حالت فيه شدة النيران وبعض البؤر المشتعلة دون الوصول إلى حصيلة نهائية دقيقة.
وتحدث شاهد عيان، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية، عن مصرع 21 فردا من عائلة واحدة بعد أن حاصرتهم النيران، فيما أفادت شهادات أخرى بأن بعض العائلات وجدت نفسها أمام ألسنة لهب سريعة الانتشار لم تترك للسكان وقتا كافيا للإخلاء.
وفي مناطق مثل تيسبيلان وبرج الطهر وأولاد عسكر وسيدي معروف، عاش السكان ساعات من الرعب بعدما ساهمت الرياح التي تجاوزت سرعتها 80 إلى 100 كيلومتر في الساعة في تسريع انتشار النيران، بينما وجد مواطنون أنفسهم في سباق مع الوقت لإنقاذ أفراد أسرهم ومواشيهم وممتلكاتهم.
وتكررت عمليات الإجلاء في ولايتي ميلة وقالمة، حيث جرى نقل عشرات الأسر إلى مدارس ومرافق شبابية ومساجد، في صورة تعكس اتساع رقعة الخطر وصعوبة إبقاء السكان في المناطق القريبة من بؤر الحرائق.
وبينما تتحدث السلطات المحلية عن حصيلات أكبر، أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية، في حصيلة أولية، مقتل 12 شخصا، بينهم خمسة في جيجل وأربعة في بجاية وثلاثة في تيزي وزو، إضافة إلى إصابة 54 شخصا بحروق، من بينهم ستة في حالة حرجة داخل أقسام العناية المركزة.
وأمام حجم الخسائر، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام وإلغاء مختلف الفعاليات والأنشطة الرياضية، واصفا الكارثة بأنها “مصاب جلل وحدث عصيب”.
لكن إعلان الحداد، رغم رمزيته، لا يلغي الأسئلة التي فرضتها الكارثة حول فعالية الاستعداد الرسمي للحرائق، خصوصا في بلد يعرف سنويا موجات واسعة من حرائق الغابات خلال فصل الصيف. فارتفاع درجات الحرارة وقوة الرياح عوامل طبيعية معروفة، غير أن حجم الأضرار البشرية والمادية يعيد إلى الواجهة النقاش حول الوقاية الاستباقية، وتجهيز فرق الإنقاذ، وسرعة الإجلاء، وتوفير وسائل جوية قادرة على التدخل في اللحظات الحرجة.
ولم تسلم البيئة من آثار الكارثة، بعدما التهمت النيران مساحات غابوية واسعة وألحقت أضرارا بالأشجار المثمرة وخلايا النحل والثروة الحيوانية، كما تسببت في اضطراب حركة التنقل وقطع محاور طرقية رئيسية، من بينها الطريق الوطني رقم 77.
وأعلنت مصالح الحماية المدنية أنها تمكنت من إخماد 103 حرائق من أصل 114 بؤرة جرى إحصاؤها حتى مساء الجمعة، فيما بقيت فرق التدخل في حالة استنفار لمواجهة البؤر المتبقية.
وبرر الوزير الأول سيفي غريب صعوبة التدخل الجوي في بداية الكارثة بقوة الرياح، قبل استئناف العمليات الجوية مع تحسن الظروف المناخية، متعهدا بالتكفل بالمصابين وإعادة تشجير المناطق الجبلية المتضررة.
وبالتوازي مع عمليات الإطفاء، فتحت مصالح الدرك الوطني تحقيقات للكشف عن أسباب اندلاع الحرائق، ولا سيما احتمال وجود فعل إجرامي وراء بعضها. وحتى ذلك الحين، بقيت 11 بؤرة تحت المراقبة، أربع منها في جيجل واثنتان في تبسة ومثلهما في سطيف، إضافة إلى بؤرة واحدة في كل من سكيكدة وميلة وغليزان.
وهكذا، لم تعد حرائق جيجل مجرد كارثة موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة السلطات الجزائرية على حماية السكان والثروة الغابوية والتعامل السريع مع الكوارث، في انتظار أن تكشف التحقيقات ما إذا كانت الخسائر الكبيرة مجرد نتيجة لظروف مناخية استثنائية، أم أن ضعف الوقاية والاستعداد ساهم أيضا في تضخيم الفاتورة الإنسانية.