تدخل دائرة فاس الجنوبية مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، وسط منافسة مرشحة لأن تكون من أبرز الاستحقاقات الانتخابية على مستوى المدينة، في ظل دخول عشرة أسماء السباق من مشارب حزبية مختلفة، وكل واحد منها يراهن على اقتناص أحد المقاعد الأربعة المخصصة للدائرة بمجلس النواب.
وتكتسي هذه الدائرة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي عرفتها نتائجها خلال الاستحقاقات الماضية، والتي أظهرت أن موازين القوى فيها ليست ثابتة، وأن نتائج محطة انتخابية قد تنقلب بشكل واضح في المحطة الموالية.
ففي انتخابات 2016، فرض حزب العدالة والتنمية نفسه كقوة انتخابية رئيسية بالدائرة، بعدما حصد مقعدين بواسطة إدريس الأزمي الإدريسي ومحمد الحارثي، بأكثر من 40 ألف صوت. غير أن هذه الهيمنة لم تستمر خلال انتخابات 2021، التي حملت حزب التجمع الوطني للأحرار إلى صدارة المشهد.
وخلال استحقاقات شتنبر 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج عبر مرشحه آنذاك رشيد الفايق بـ16 ألفاً و449 صوتاً، متبوعاً بحزب الاستقلال الذي حصل مرشحه علال العمراوي على 7 آلاف و842 صوتاً، ثم الأصالة والمعاصرة عبر عزيز اللبار بحوالي 7 آلاف و550 صوتاً، بينما عاد المقعد الرابع إلى الاتحادي عبد القادر البوصيري بـ5 آلاف و699 صوتاً.
غير أن تركيبة الدائرة سرعان ما عرفت تعديلات جديدة، بعدما أفرزت الانتخابات الجزئية فوز خالد العجلي بالمقعد الذي كان يشغله عبد القادر البوصيري، في وقت عوض محمد قنديل زميله في الحزب رشيد الفايق، بناء على قرار للمحكمة الدستورية.
هذه التحولات تجعل انتخابات 2026 مفتوحة على احتمالات متعددة، خصوصاً أن السباق الحالي لا يجمع فقط القوى التي تصدرت نتائج 2021، بل يضم أسماء جديدة وتحولات في خريطة الترشيحات قد تعيد ترتيب الأوراق من جديد.
ويدخل التجمع الوطني للأحرار المنافسة عبر زينة شاهيم، بينما يخوض عزيز اللبار السباق مجدداً باسم الأصالة والمعاصرة، في حين يراهن حزب الاستقلال على علال العمراوي للحفاظ على حضوره داخل الدائرة.
أما خالد العجلي، الذي سبق أن ظفر بمقعد في الانتخابات الجزئية، فيعود إلى المنافسة هذه المرة بألوان الحركة الشعبية، في خطوة تمنحه موقعاً مختلفاً داخل المعادلة الانتخابية، بينما اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رشيد بلبوخ لتمثيله في هذا الاستحقاق.
وفي الجهة الأخرى، يسعى حزب العدالة والتنمية إلى استعادة جزء من حضوره السابق عبر محمد خيي، بينما يدخل حزب التقدم والاشتراكية المنافسة بواسطة علي لقصب. أما الاتحاد الدستوري فقد اختار يوسف الحاضي، في حين يمثل تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي عبد الهادي الهلالي.
وتكتمل لائحة الأسماء المتنافسة مع عبد الرحيم السدراتي، الذي يخوض السباق باسم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، لتصل بذلك المنافسة إلى عشرة مرشحين يتنافسون على أربعة مقاعد فقط.
وتكشف هذه التركيبة عن سباق متعدد الأقطاب، يصعب معه حصر المنافسة في مواجهة ثنائية أو ثلاثية بين الأحزاب الكبرى. فالأحزاب التي تملك تجربة انتخابية وحضوراً سابقاً داخل الدائرة تسعى إلى تثبيت مواقعها، بينما تراهن قوى أخرى على استثمار أي تراجع في شعبية منافسيها لتحقيق اختراق انتخابي.
كما أن تعدد المرشحين قد يجعل الفوارق في الأصوات أكثر حساسية، خصوصاً في ظل تنافس عشرة أسماء على أربعة مقاعد. وهو ما يعني أن أي تغير محدود في اتجاهات التصويت يمكن أن ينعكس مباشرة على ترتيب المرشحين، ويعيد تشكيل الخريطة البرلمانية للدائرة.
وتبرز في هذا السياق أهمية العامل التنظيمي والميداني، إلى جانب حضور المرشحين وقدرتهم على تعبئة الناخبين، إذ لن يكون الفوز مرتبطاً فقط بالاسم الحزبي، بل أيضاً بمدى قدرة كل مرشح على بناء قاعدة انتخابية قادرة على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات يوم الاقتراع.
ومن زاوية أخرى، ستكون هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً لحزب التجمع الوطني للأحرار في دائرة تصدر نتائجها خلال 2021، كما ستكون محطة حاسمة لحزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة للحفاظ على حضورهما، في الوقت الذي سيحاول فيه العدالة والتنمية استعادة بعض من وهجه السابق.
أما الحركة الشعبية، فتدخل السباق باسم خالد العجلي، الذي يحمل تجربة انتخابية حديثة داخل الدائرة، بينما يراهن الاتحاد الاشتراكي وباقي الأحزاب اليسارية والوسطية على تغيير موازين القوى وانتزاع مقاعد من الأحزاب التي تصدرت المشهد في السنوات الماضية.
وعليه، فإن فاس الجنوبية تبدو أمام معركة انتخابية مفتوحة على أكثر من سيناريو، عنوانها الأبرز أربعة مقاعد وعشرة مرشحين، في وقت سيكون فيه الرهان الحقيقي على من يستطيع تحويل الحضور السياسي والتنظيمي إلى أصوات كافية لحجز مكان داخل البرلمان المقبل.