لم تكن موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة مسبوقة بمؤشرات رقمية واضحة تنذر بحجمها أو توقيتها، وفق قراءة أنجزها المرصد المغربي لليقظة الإعلامية والرقمية، خلصت إلى أن التحول اللافت في التداول الإلكتروني لم يبدأ قبل التحركات الميدانية، وإنما تزامن معها ثم تصاعد بسرعة مع انتشار صور ومقاطع فيديو توثق وصول أشخاص إلى الضفة الأخرى.
وأبرز المرصد، في تقرير تحليلي حول ديناميات العبور والتداول الرقمي المرتبط به، أن الفضاء الإلكتروني تحول خلال ساعات قليلة إلى عنصر مؤثر في تشكيل صورة الحدث وتوسيع نطاق الاهتمام به، بعدما ساهمت المشاهد المتداولة في رفع حجم المشاهدة وإعادة النشر والتعليق، بالتوازي مع استمرار التحركات على الأرض.
واعتمد التقرير على رصد وتحليل مجموعة من المواد المنشورة بشكل علني، شملت الصور والفيديوهات والتصريحات الصحافية والمنشورات والتعليقات المصاحبة لها، إلى جانب مقارنة المضامين الإعلامية وتتبع مسار انتشار المحتويات وتحليل المصطلحات المستخدمة في وصف الواقعة. وأوضح المرصد أن هذه المقاربة لا ترمي إلى تقديم تفسير سياسي أو تحميل المسؤولية لأي طرف، بالنظر إلى أن ظواهر الهجرة الجماعية عادة ما تنتج عن تفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية ومجالية وحدودية متعددة.
وأظهرت المعطيات التي جرى تحليلها أن المشاركين في محاولات العبور لم يشكلوا فئة واحدة، إذ شملت التحركات شبابا وفتيات ونساء وأشخاصا من أعمار مختلفة. كما كشفت المشاهد والتصريحات عن اختلاف في الوضعيات الأسرية والاجتماعية، بين أشخاص تحركوا بشكل فردي، وآخرين ضمن مجموعات صغيرة، فضلا عن حالات أشارت فيها روايات إعلامية إلى مشاركة أفراد من العائلة أو اتخاذ قرار العبور بناء على معلومات تلقاها المعنيون من محيطهم.
وتبرز هذه المعطيات، بحسب التقرير، أن موجة العبور لم تكن نتيجة قرار موحد أو استعداد جماعي سابق، بل جمعت بين أشخاص كانوا يفكرون في الهجرة منذ فترة وينتظرون فرصة مناسبة، وآخرين اتخذوا قرارهم في وقت قصير تحت تأثير الحركة الجماعية وما رافقها من أخبار ومشاهد انتشرت عبر المنصات الرقمية.
وحظيت صور ومقاطع فيديو لفتاتين قيل إنهما تمكنتا من الوصول سباحة إلى سبتة باهتمام استثنائي، بعدما أعيد تداولها على نطاق واسع. ولاحظ المرصد أن عددا من المنشورات ركز على مشهد الوصول والنجاح في تجاوز الحدود أكثر مما ركز على المخاطر المرتبطة بهذه المحاولات، وهو ما منح التجربة الفردية بعدا رمزيا وجعلها قابلة للتحول إلى نموذج يحتذى بالنسبة لبعض المتابعين.
ويرى التقرير أن انتشار هذه الصور ربما ساهم في رفع الحماس لدى بعض الراغبين في الهجرة، خصوصا أنها تزامنت مع تداول مشاهد أخرى توحي بوصول أعداد متزايدة من الأشخاص إلى الجهة المقابلة. غير أن المرصد شدد على أن إثبات حجم هذا التأثير يحتاج إلى معطيات ميدانية ومقابلات مباشرة مع المشاركين، وبالتالي لا يمكن اعتبار المحتويات الرقمية سببا وحيدا في اندلاع موجة العبور.
وتكشف طبيعة التفاعل بين ما يجري على الأرض وما يتم تداوله إلكترونيا عن دائرة متبادلة التأثير؛ فكل صورة أو مقطع جديد يوثق وصول أشخاص كان يرفع مستوى الاهتمام بالحدث، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من المشاهدة وإعادة النشر والتعليقات، لتتحول المنصات الرقمية إلى مساحة تعكس تطورات الميدان وتساهم في الوقت نفسه في تضخيم حضورها.
وفي هذا السياق، تحدث المرصد عن احتمال تشكل ما يعرف بـ”العدوى السلوكية”، عندما يدفع انتشار صور أشخاص يتحركون في الاتجاه نفسه بعض الأفراد إلى الاعتقاد بأن هناك فرصة استثنائية ينبغي اغتنامها بسرعة. لكنه أوضح أن هذا التأثير لا ينطبق بالضرورة على جميع المشاركين، إذ تشير المعطيات إلى وجود أشخاص كانت لديهم رغبة سابقة في الهجرة، في مقابل آخرين ربما التحقوا بالموجة بعد اطلاعهم على الأخبار والصور المتداولة.
وبذلك، يمكن، وفق التقرير، التمييز بين ثلاث فئات تقريبية: أشخاص كانوا ينتظرون فرصة للعبور، وآخرون تعاملوا مع التطورات باعتبارها فرصة غير متوقعة، وفئة ربما تأثرت بالزخم الذي خلقته سرعة انتشار الأخبار والمشاهد. غير أن التقرير أكد أن المعطيات المتاحة لا تسمح بتحديد الحجم العددي لكل فئة.
وعلى مستوى تدبير المعلومة، سجل المرصد وجود محدودية في التواصل المؤسساتي المغربي خلال الساعات الأولى، إذ لم تكن هناك معطيات رسمية منتظمة تتيح للرأي العام معرفة حقيقة الوضع، وعدد الأشخاص المعنيين، والإجراءات المتخذة، ومدى دقة الأخبار والصور التي كانت تنتشر بسرعة.
في المقابل، تداولت مصادر إسبانية أرقاما مختلفة بشأن أعداد العابرين والموقوفين والمعادين وحالات الإنقاذ والخسائر البشرية. واعتبر التقرير أن هذا التباين قد يكون مرتبطا باختلاف توقيت احتساب الأرقام أو تعدد الجهات التي قدمتها أو استمرار العمليات الميدانية وعدم استقرار الحصيلة النهائية.
وحذر المرصد من أن غياب مصدر رسمي موحد ومحدث بشكل متواصل يخلق فراغا معلوماتيا سرعان ما تملؤه الصفحات والحسابات الفردية، فتتحول التقديرات والصور الجزئية إلى روايات شبه نهائية يصعب تصحيح أثرها لاحقا، حتى بعد صدور معطيات رسمية أكثر دقة.
ورغم المفاجأة التي طبعت موجة العبور، يرى المرصد أنها لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي والحدودي لمنطقة سبتة، خصوصا مع استمرار إغلاق المعبر أو اضطراب حركته المعتادة لفترات طويلة، وما ترتب عن ذلك من تراكم انتظارات ومصالح مرتبطة بالمعبر لدى فئات من السكان.
ولا يعتبر التقرير هذا العامل تفسيرا مباشرا لمحاولات العبور سباحة، لكنه يضعه ضمن سياق أوسع تتقاطع فيه البطالة والهشاشة الاجتماعية وتراجع الآفاق والرغبة السابقة في الهجرة.
وبناء على خلاصاته، أوصى المرصد بتطوير آليات للرصد الرقمي المبكر قادرة على التقاط التحولات المفاجئة في أنماط التداول والمضامين التي قد ترافق موجات الهجرة، مع احترام القانون وضمان حماية المعطيات الشخصية.
كما دعا إلى وضع بروتوكول مؤسساتي واضح للتواصل خلال الأزمات، يقوم على نشر المعلومات الموثوقة وتحيينها باستمرار، بما يقلص مساحة الشائعات ويحد من تضارب الأرقام والروايات.
وشدد المرصد، في السياق ذاته، على مسؤولية وسائل الإعلام وصناع المحتوى في التعامل مع صور ومقاطع العبور، بما يمنع تحويلها إلى محتويات محفزة على التقليد، داعيا أيضا إلى تقوية التنسيق المعلوماتي بين الجهات المعنية على جانبي الحدود.
وخلص التقرير إلى أن التعامل مع هذه الظواهر لا يمكن أن يقتصر على التدخل الأمني أو ضبط الحدود، بل يتطلب معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها، بالتوازي مع تطوير التواصل العمومي وتعزيز الثقة وتوفير معلومات دقيقة في اللحظات التي تتسارع فيها الأحداث.