تواجه جبهة البوليساريو الانفصالية خلال المرحلة الأخيرة مؤشرات متزايدة على اتساع عزلتها السياسية والدبلوماسية، في ظل التحولات الدولية المتسارعة التي باتت تميل بشكل أوضح نحو دعم المقاربة المغربية في ملف الصحراء، وهو ما انعكس على طبيعة خطاب الجبهة وتحركاتها الخارجية التي أصبحت أكثر حدة تجاه عدد من العواصم الأوروبية، وعلى رأسها مدريد.
ويأتي هذا التطور في سياق دينامية دولية جديدة عززت موقع المغرب داخل المنتظم الدولي، بعدما نجحت الرباط في توسيع دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء، وهو التوجه الذي تدعمه قوى دولية وازنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب ما تعتبره الرباط انسجاماً مع مضامين قرارات مجلس الأمن الأخيرة الداعية إلى حل سياسي واقعي ودائم.
وفي مقابل هذا الزخم الدبلوماسي الذي راكمه المغرب خلال السنوات الماضية، تبدو البوليساريو أمام وضع أكثر تعقيداً، خاصة مع تراجع فاعلية خطابها التقليدي القائم على أطروحة “تقرير المصير” بصيغته القديمة، في وقت باتت فيه عدة عواصم غربية تعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الإطار الأكثر قابلية للتطبيق من أجل ضمان الاستقرار الإقليمي وإنهاء حالة الجمود التي يعرفها المسار الأممي.
وفي محاولة للرد على هذا التحول، صعدت الجبهة الانفصالية من لهجتها تجاه إسبانيا، متهمة مدريد بتحمل “مسؤولية تاريخية وسياسية” بشأن تطورات ملف الصحراء، معتبرة أن الدعم الإسباني المتزايد للموقف المغربي يشكل، وفق تعبيرها، “انحرافاً” عن ما تصفه بـ”مسار تصفية الاستعمار”. كما اعتبرت أن تبني إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي يساهم في “تعميق الأزمة” بدل حلها.
غير أن هذا الخطاب، وفق متابعين، يعكس بالأساس حجم الارتباك الذي تعيشه البوليساريو أمام التحولات الدبلوماسية المتلاحقة، خاصة بعد أن فقدت الجبهة جزءاً مهماً من قدرتها على التأثير داخل عدد من الدوائر السياسية الأوروبية التي أصبحت تنظر إلى المقترح المغربي باعتباره صيغة عملية لتجاوز نزاع عمر لعقود دون تحقيق أي اختراق فعلي.
ويرى مراقبون أن لجوء البوليساريو إلى مهاجمة الدول الداعمة للمغرب، بدل تقديم تصورات سياسية جديدة قادرة على التفاعل مع الواقع الدولي الحالي، يكشف أزمة عميقة داخل خطابها السياسي والدبلوماسي، خصوصاً مع اتساع دائرة الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وافتتاح عدد من القنصليات الأجنبية بالمنطقة، فضلاً عن الدعم المتزايد الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي داخل المؤسسات الدولية.
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي من خلال الدفاع عن موقفه القائم على اعتبار الصحراء جزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، مستنداً إلى معطيات تاريخية وقانونية، وإلى ما تصفه الرباط بالتأييد الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً يضمن الاستقرار والتنمية ويحافظ على وحدة التراب الوطني.
ومع استمرار هذا التحول في موازين الدعم الدولي، تبدو جبهة البوليساريو أمام تحديات متزايدة تتعلق بإعادة صياغة خطابها السياسي ومراجعة استراتيجيتها الدبلوماسية، في ظل واقع دولي جديد يميل بشكل متصاعد نحو منطق الحل الواقعي والتسوية السياسية العملية، وهو ما يضع الجبهة الانفصالية أمام أزمة متنامية عنوانها الأبرز تراجع الحضور الدولي واتساع دائرة العزلة.