ثوانٍ من الرعب.. كيف ابتلعت عمارة فاس سكانها ليلاً؟

لم يكن شيء يوحي بأن ليل حي عين النقبي بمدينة فاس سيُكتب بدموع الفاجعة والصراخ المكتوم تحت الركام. دقائق قليلة فقط كانت كافية لتحويل بناية سكنية تعج بالحياة إلى كومة إسمنت ضخمة، بعدما انهارت بشكل مفاجئ مخلفة قتلى وجرحى ومشاهد ستظل محفورة في ذاكرة سكان الحي لسنوات طويلة.
في تلك الليلة الثقيلة، كان الهدوء يلف الزقاق الضيق بمقاطعة جنان الورد، قبل أن يشقه صوت غريب قادم من أعماق الجدران. تشققات متسارعة، اهتزازات مرعبة، ثم صرخات متداخلة أيقظت السكان على مشهد بدا وكأنه زلزال ضرب قلب الحي الشعبي.
داخل العمارة رقم 34، حاول السكان استيعاب ما يجري، لكن الموت كان أسرع من الجميع، إحدى الناجيات، روت كيف بدأت الشقوق تتمدد أمام أعينهم بشكل مخيف، قبل أن تتحول الجدران إلى فخ قاتل. لم تمنحهم البناية سوى ثوان معدودة للفرار، إذ انهار السقف لحظة وصولهم إلى باب الشقة، لتختلط الأجساد بالغبار والحجارة وسط حالة هستيرية من الرعب.
وفي الخارج، عاش الجيران لحظات لا تقل قسوة. بعضهم هرع بأيدٍ عارية يحاول إزالة الإسمنت بحثاً عن أصوات استغاثة كانت تتسرب من تحت الأنقاض، فيما علت الصرخات والدعوات في الأزقة المجاورة. أحد الشهود وصف المشهد بأنه “انفجار صامت” اقتلع العمارة بالكامل، مؤكداً أن السكان لم يجدوا حتى الوقت الكافي لفهم ما يحدث.
الحصيلة الأولية للفاجعة استقرت عند تسعة قتلى وخمسة مصابين، بينما كانت فرق الوقاية المدنية تخوض سباقاً مع الزمن وسط صعوبات كبيرة بسبب ضيق الممرات المؤدية إلى مكان الكارثة. ومع كل حجر يُرفع، كانت المأساة تكشف وجهاً أكثر قسوة، خاصة وأن بين الضحايا زواراً حلوا بالحي لقضاء عطلة عيد الأضحى رفقة عائلاتهم.
وفي المستشفيات، أعلنت حالة استنفار قصوى لاستقبال الناجين، حيث خضع المصابون لفحوصات دقيقة وتدخلات جراحية مستعجلة، فيما أكد أطباء أن الصدمة النفسية التي عاشها الناجون كانت أشد من الإصابات الجسدية نفسها، بعد مشاهد الموت والانهيار التي عاشوها في ثوان مرعبة.
وبينما واصلت السلطات تطويق المكان وتأمين البنايات المجاورة خوفاً من انهيارات جديدة، حل خبراء وتقنيون بعين المكان لفحص أسباب الكارثة، في وقت فتحت فيه النيابة العامة تحقيقاً معمقاً لكشف المسؤوليات المحتملة، وسط غضب واسع ومطالب بمحاسبة كل من تسبب في هذه المأساة الإنسانية التي هزت مدينة فاس.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *