في خطوة تشريعية لافتة، لم يعد المال العمومي الموجه للدعم الانتخابي في المغرد مجرد آلة محايدة لمواكبة الفعل الانتخابي، بل تحول إلى أداة معيارية تسعى إلى التأثير في شروط إنتاج التمثيلية السياسية.
وصادق عليها المجلس الحكومي مؤخرا، تضم المرسومين رقم 2.26.300 و2.26.301، إلى جانب تحيين مقتضيات تسقيف المصاريف الانتخابية، وذلك في سياق التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
من الوظيفة المحايدة إلى الأداة المعيارية
في تصريح لـ”بلبريس”، أوضحت أمال بنبراهيم، الأستاذة بكلية العلوم السياسية والقانونية ابن طفيل القنيطرة، أن “هذه النصوص لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تعديلات تقنية معزولة، بل باعتبارها تعبيراً عن تحول أعمق في فلسفة التأطير القانوني للعملية الانتخابية”.
وأشارت بنبراهيم إلى أن نظام التمويل، رغم احتفاظه بهندسته التقليدية (حصة جزافية، شطر مرتبط بمعايير محددة، وإمكانية التسبيق المالي)، فقد أعيد شحنه بدلالة جديدة تجعل منه أداة لإعادة تشكيل العرض التمثيلي للأحزاب، وليس مجرد وسيلة لتغطية الكلفة الانتخابية.
تكشف الخبيرة الأكاديمية عن فرق جوهري بين النصين التنظيميين. فالمرسوم رقم 2.26.300 يتجه إلى مستوى القاعدة المعيارية التي تحكم استحقاق الدعم، إذ يعيد تعريف “من يستحق” و”لماذا” من خلال إدماج معايير تمثيلية نوعية. في المقابل، يحدد المرسوم رقم 2.26.301 “كيف” و”متى” و”وفق أي ضوابط” يتم صرف الدعم، من خلال ضبط المسارات الإجرائية والآجال والشكليات.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الإصلاح، وفق بنبراهيم، في أن جزءاً من التمويل العمومي أصبح مشروطاً – بشكل صريح أو ضمني – بمدى قدرة الحزب على إدماج فئات ظلت على هامش التمثيل السياسي: النساء، الشباب، الأشخاص في وضعية إعاقة، والمغاربة المقيمين بالخارج.
وهنا، تلفت الأستاذة الجامعية إلى أن “المال العمومي يتحول إلى أداة تحفيز انتقائي، تكافئ الأحزاب التي تعيد النظر في بنيتها الترشيحية، وتعاقب – بشكل غير مباشر – تلك التي تستمر في إعادة إنتاج أنماط التمثيل الضيقة”.
إشكالية “الإدماج الشكلي” بين القوة القانونية والواقع السياسي
لكن بنبراهيم تثير تساؤلا دقيقا حول ما إذا كان إدراج معيار تمثيلي داخل معادلة التمويل كافياً لضمان تحول فعلي في بنية النخب، محذرة من خطر “الإدماج الشكلي”. أي إدراج هذه الفئات داخل اللوائح دون تمكينها من مواقع مؤثرة، مما يحول المعيار التمثيلي إلى مجرد متغير حسابي بدل أن يكون رافعة حقيقية لإعادة تشكيل الحقل السياسي.
وفي قراءتها لتسقيف المصاريف الانتخابية، ترى المحللة السياسية أن هذا الإجراء، وإن كان يهدف إلى تخليق المنافسة، فإنه يطرح سؤالاً أعمق حول ما إذا كان التسقيف يؤدي فعلاً إلى تقليص تأثير المال أم يدفعه نحو مجالات أقل ظهوراً.
وتذهب بنبراهيم إلى مفارقة لافتة: “في سعيه إلى تحقيق المساواة بين المتنافسين، قد يفضي التسقيف إلى ترجيح كفة من يملكون رأسمالاً اجتماعياً سابقاً على الحملة الانتخابية. فهؤلاء لا يحتاجون إلى إنفاق كبير لإنتاج التأثير، في حين يجد الفاعلون الجدد أنفسهم مقيدين بسقف مالي لا يسمح لهم بتعويض ضعف الامتداد الاجتماعي”.
ورغم الإشكالات التي يثيرها هذا التحول، تؤكد بنبراهيم أن اعتماد المرسومين يحمل قيمة إيجابية واضحة، من خلال إرساء معايير تعزز جودة التمثيلية وتدفع الأحزاب نحو تجديد نخبها. وتخلص إلى أن “الإصلاح يحمل وعداً مزدوجاً: تخليق المنافسة من جهة، وتوسيع قاعدة التمثيل من جهة أخرى. غير أن هذا الوعد يظل معلقاً بين قوة النص وحدود الواقع؛ بين ما يمكن للقانون أن يفرضه، وما يمكن للسياسة أن تعيد تشكيله”.
وانعقد يوم الخميس 2 أبريل 2026، مجلس للحكومة برئاسة عزيز أخنوش، خصص للتداول في عدد من مشاريع النصوص القانونية، والاطلاع على اتفاقيات دولية، ومقترحات التعيين في مناصب عليا، طبقا للفصل 92 من الدستور.
وفي هذا الإطار، صادق المجلس الحكومي على مشروعي مرسومين يتعلقان بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، حيث يهدف المرسوم الأول إلى تحديد الحصة الجزافية للأحزاب، وضبط توزيع الشطر الثاني من هذه المساهمة، وتحديد قيمة وكيفية صرف التسبيق لفائدة الأحزاب السياسية، بينما يحدد المرسوم الثاني الآجال والشكليات المتعلقة باستعمال هذه المساهمة لضمان انسجام التنظيم وتحسين الشفافية.