صمت ثم ارتباك.. هل فقدت الجزائر بوصلتها الدبلوماسية؟

في لحظة إقليمية حساسة تتطلب وضوحًا وحسمًا، اختارت الدبلوماسية الجزائرية السير في منطقة رمادية، قبل أن تعود متأخرة بخطاب أقرب إلى محاولة تدارك منه إلى موقف سيادي ثابت. هذا التردد، بحسب مراقبين، لم يكن مجرد تأخر عابر، بل يعكس أزمة أعمق في صناعة القرار الخارجي.

ويرى محللون أن الجزائر بدت، في بداية التصعيد، وكأنها تتفادى الاصطفاف الواضح، مفضلة لغة فضفاضة حول “التهدئة” دون تسمية الأطراف أو تحديد المسؤوليات، وهو ما فُهم على نطاق واسع كنوع من الحذر المبالغ فيه، أو حتى تواطؤ دبلوماسي غير معلن.

ويذهب بعض المتتبعين إلى أن هذا الصمت لم يكن بريئًا، بل ناتج عن حسابات معقدة تحاول من خلالها الجزائر الحفاظ على خيوط متشابكة من العلاقات، سواء مع إيران أو مع القوى الدولية، غير أن هذه المقاربة، بدل أن تحقق التوازن، وضعت الجزائر في موقع المتردد الذي يفقد ثقة الجميع.

ومع تصاعد الانتقادات الإقليمية، خاصة من دول الخليج، وجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى تعديل خطابها، في خطوة وصفها محللون بأنها “تصحيح اضطراري” أكثر منه تحولًا استراتيجيًا. فالإدانة المتأخرة، رغم أهميتها الشكلية، لم تُخفِ حقيقة أنها جاءت تحت الضغط، وبعد أن حُسمت مواقف أغلب الدول.

ويؤكد مراقبون أن هذا التحول كشف عن خلل واضح في تقدير التوقيت، أحد أهم عناصر الفعل الدبلوماسي، حيث إن التأخر في إعلان المواقف قد يُفقدها قيمتها السياسية، ويحولها إلى مجرد رد فعل بدل أن تكون مبادرة مؤثرة.

كما يطرح هذا السلوك، بحسب خبراء، تساؤلات حول مدى انسجام الخطاب الجزائري مع شعاراته المعلنة بشأن التضامن العربي، خاصة حين يتعلق الأمر بأمن دول الخليج، الذي طالما اعتُبر جزءًا من الأمن القومي العربي.

وفي قراءة أوسع، يرى محللون أن الجزائر لا تزال عالقة في سياسة “التوازن الحذر”، التي تحاول من خلالها إرضاء أطراف متناقضة، غير أن هذه المقاربة أصبحت، في ظل التحولات الدولية المتسارعة، عبئًا أكثر منها خيارًا استراتيجيًا ناجحًا.

ويخلص متابعون إلى أن ما حدث ليس مجرد زلة دبلوماسية، بل مؤشر على ارتباك أعمق في تحديد الأولويات، حيث يبدو أن الجزائر مطالبة اليوم بإعادة النظر في طريقة تدبيرها للأزمات الخارجية، إذا ما أرادت استعادة قدر من المصداقية والتأثير في محيطها الإقليمي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *