في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، بدأت الصين في إعادة توجيه بوصلتها الطاقية نحو شمال إفريقيا، معززة حضورها في المنطقة عبر شراكات استراتيجية تمتد من النفط إلى الطاقات المتجددة، واضعة المغرب في صدارة هذا التحول.
وكشف تقرير صادر عن معهد ستيمسون الأمريكي أن الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، خاصة في سياق المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، لم تقتصر تداعياتها على إرباك تدفقات النفط العالمية، بل دفعت بكين إلى مراجعة عميقة لعلاقاتها الجيو-اقتصادية، بشكل هادئ لكنه مؤثر.
وأوضح التقرير، المعنون بـ”كيف تعيد حرب إيران تشكيل التعاون الجيو-اقتصادي للصين مع شمال إفريقيا؟”، أن اعتماد الصين الكبير على ممرات الخليج، حيث تمر نحو نصف وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز، كشف عن هشاشة سلاسل الإمداد في ظل الأزمات، ما سرّع البحث عن بدائل أكثر استقرارًا.
وفي هذا السياق، تبنت بكين استراتيجية مزدوجة تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتسريع الانتقال نحو الطاقات النظيفة، ما جعل شمال إفريقيا خيارًا مثاليًا بفضل موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الأوروبية، إلى جانب استقرار بعض شركائها ووفرة مواردها الطبيعية.
وأشار التقرير إلى أن هذا التوجه لا يمثل تحولًا مفاجئًا، بل امتدادًا لتعزيز التعاون ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، حيث توفر دول المنطقة للصين ممرات بديلة أكثر أمانًا، وفرصًا لتطوير سلاسل إمداد منخفضة الكربون تدعم أهدافها البيئية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، برز المغرب كنقطة ارتكاز أساسية في الاستراتيجية الصينية، خاصة في مجال الطاقة النظيفة. فمنذ 2025، شهدت المملكة توقيع مشاريع ضخمة تشمل الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بمشاركة شركات صينية كبرى، ما يعكس تحولا نحو شراكات أعمق تتجاوز مجرد التبادل التجاري.
كما نجح المغرب في استقطاب استثمارات صينية مهمة في مجالات بطاريات السيارات الكهربائية وسلاسل القيمة المرتبطة بها، مستفيدًا من موارده الطبيعية وإطاره التنظيمي الداعم، ما يجعله شريكًا طويل الأمد في خطط بكين للتحول الطاقي.
وفي المقابل، تظل الجزائر مزودًا محتملًا لاحتياجات الصين قصيرة الأجل من الهيدروكربونات، بينما تلعب مصر دورًا تكميليًا بفضل قدراتها الصناعية وموقعها اللوجستي، ما يمنح الصين بدائل متعددة تقلل من اعتمادها على الممرات المهددة.
ويخلص التقرير إلى أن التحولات الجارية تعزز تدريجيًا مكانة شمال إفريقيا في معادلة الطاقة العالمية، مع صعود المغرب كأحد أبرز الفاعلين في مستقبل الطاقة النظيفة.