قفزت أسعار النفط بأكثر من دولار للبرميل، في تصعيد جديد يعكس اتساع رقعة الحرب العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد ارتفع خام برنت إلى 82.53 دولاراً، وهو أعلى إغلاق له منذ يناير 2025، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 75.37 دولاراً، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات وتعطل الصادرات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة.
الهجمات المتبادلة لم تبقَ في إطار الاستعراض العسكري، بل امتدت إلى شرايين الطاقة. العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول، خفّض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يومياً بسبب محدودية التخزين وتعطل التصدير، مع تحذيرات من توقف شبه كامل إذا استمر إغلاق المنافذ. في المقابل، استهدفت إيران ناقلات نفط في مضيق هرمز، الممر الذي يعبر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز المسال عالمياً، ما أدى إلى شلل شبه تام في حركة الملاحة لأيام متتالية.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال مرافقة البحرية الأميركية للناقلات وتوفير ضمانات تأمينية خففت جزئياً من وتيرة الارتفاع، لكنها لم تبدد القلق. شركات التأمين البحري بدأت تتراجع عن تغطية مخاطر الحرب، فيما سارعت دول آسيوية إلى البحث عن بدائل، ودرست شركات كبرى مثل أرامكو السعودية تحويل مسارات التصدير نحو البحر الأحمر لتفادي عنق الزجاجة في هرمز.
مؤسسات مالية كبرى دخلت على الخط. فقد رفع غولدمان ساكس توقعاته لمتوسط أسعار الخام في 2026، بينما حذر محللو جيه بي مورغان من احتمال فقدان ما يصل إلى 4.7 ملايين برميل يومياً إذا طال أمد الإغلاق. أرقام تعني ببساطة أن السوق يسعّر سيناريو الأسوأ.
بالنسبة إلى المغرب، المسألة ليست مجرد أرقام في بورصات بعيدة، بل فاتورة يومية تُدفع بالعملة الصعبة. فالمملكة تستورد أكثر من 90% من حاجياتها الطاقية، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي ارتفاع حاد في الأسعار. وكل قفزة في البرميل تعني تلقائيًا تضخمًا في كلفة النقل والإنتاج، ثم موجة ارتفاعات تمس القدرة الشرائية للمواطنين.
الأثر الأول سيكون على الميزان التجاري، إذ سترتفع قيمة الواردات الطاقية بشكل مباشر، ما يضغط على احتياطي العملة الصعبة ويزيد من عجز الميزان. أما الأثر الثاني فسيظهر في معدلات التضخم، حيث تنتقل كلفة الطاقة بسرعة إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات، في اقتصاد ما زال يتعافى من آثار الجفاف وتباطؤ النمو العالمي.
وحسب مراقبون فالخطر الأعمق يكمن في هشاشة الأمن الطاقي. فالأزمة تكشف مجددًا محدودية هامش المناورة أمام صناع القرار، وتضع الحكومة أمام معادلة صعبة: هل تتحمل الخزينة جزءًا من الصدمة لحماية المستهلك؟ أم تترك السوق تمتص الارتفاع بكل كلفته الاجتماعية؟
في المقابل، قد تمثل هذه العاصفة فرصة استراتيجية للمغرب لتسريع استثماراته في الطاقات المتجددة وتعزيز الربط الطاقي مع أوروبا وإفريقيا. فكل أزمة نفطية تذكير صارخ بأن الاستقلال الطاقي ليس رفاهية بيئية، بل رهان سيادي واقتصادي.
ما يجري في مضيق هرمز قد يبدو بعيدًا جغرافيًا، لكنه قريب جدًا من جيب المواطن المغربي. وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالطاقة، يصبح استقرار المغرب مرتبطًا بمدى قدرته على التحصن من رياح صراعات لا يشارك فيها، لكنه يدفع ثمنها.