تتسارع التطورات الميدانية في مضيق هرمز وسط حالة من التضارب والغموض التي تخيم على المشهد الملاحي العالمي، حيث أكدت وسائل إعلام إيرانية استهداف ناقلة نفط في المضيق لرفضها الامتثال لتحذيرات الحرس الثوري، مشيرة إلى بدء غرق الناقلة المستهدفة إثر تضررها بشكل كبير نتيجة الهجوم.
وفي تأكيد ميداني لهذا التصعيد، أعلن مركز الأمن البحري في سلطنة عمان تعرض ناقلة النفط “سكاي لايت” (SKYLIGHT) لاستهداف مباشر على مسافة 5 أميال بحرية شمال ميناء خصب بمحافظة مسندم، وهو ما تقاطع مع تقارير هيئة العمليات البحرية البريطانية حول وقوع حادثة على بعد ميلين بحريين شمال منطقة “كمزار” العمانية، في وقت تداول فيه نشطاء مقاطع فيديو جرى التحقق من صحتها تظهر اشتعال النيران في السفينة من زوايا متعددة.
ويأتي هذا التصعيد الميداني ليعزز المخاوف الدولية بعد تقارير وكالة رويترز التي أكدت تلقي السفن رسائل عبر ترددات عالية من الحرس الثوري الإيراني تفيد بمنع عبور أي سفن عبر المضيق، ما أدى فعليا إلى توقف ما لا يقل عن 150 ناقلة محملة بالنفط والغاز في مياه الخليج بانتظار اتضاح الرؤية.
وفي قراءة اقتصادية لتداعيات هذا المشهد القاتم، أكد الخبير الاقتصادي رشيد الساري في تصريح خاص لـ “بلبريس” أن إغلاق مضيق هرمز إذا تأكد، فليس بالأمر الهين أو السهل كما قد يعتقد البعض، نظرا لموقعه الاستراتيجي الفائق الحساسية، موضحا أننا نتحدث اليوم عن ممر تجاري حيوي تعبر من خلاله 20 مليون برميل من النفط يوميا، ما يمثل تقريبا 20% من الاستهلاك العالمي، فضلا عن إمدادات الغاز الطبيعي المسال خاصة القادمة من قطر.
وأضاف الساري أنه بعيدا عن الحديث عن النفط والغاز، فإن تكلفة الشحن ستشهد ارتفاعا كبيرا، خاصة وأن الخيار البديل المتمثل في طريق رأس الرجاء الصالح يعد خيارا غير آمن، وسيترتب عليه زيادة في المسافة تتراوح بين 8000 إلى 10,000 كيلومتر للرحلات المتجهة من الخليج صوب آسيا وأوروبا، متوقعا في ظل السيناريوهات المتعددة المطروحة أن ترتفع تكلفة النقل البحري في أقصر تقدير بنسب تتراوح بين 30% إلى 50%.
ونبه الخبير الاقتصادي إلى أنه في حال استمرار رد الفعل الإيراني بشكل كبير، فإن هذه العمليات الانتقامية ستسبب معضلة كبرى تؤدي إلى رفع تكاليف التأمين البحري بنسب لن تقل عن 25% إلى 30%، معتبرا أن العالم يقف أمام سيناريوهات قاتمة قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة لتتراوح بين 120 إلى 160 دولارا، مع احتمال ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70%، لكون القارة الآسيوية تعتمد بشكل كلي على هذا المضيق.
وفي سياق متصل، أشار الساري إلى أن تكلفة النقل المرتفعة ستلقي بظلالها على أسعار الغذاء والحبوب والمواد الخام، حيث ستتأثر واردات آسيا من المعادن الإفريقية، لاسيما تلك الداخلة في تصنيع السيارات والإلكترونيات، مما يضع العالم أمام منعطف سياسي واقتصادي وتجاري حاد سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بمقدار نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية، مما سيعصف بمؤشرات دول عديدة.
وبشأن الانعكاسات على المستوى المحلي، أكد الساري أن الوضع في المغرب لن ينفصل عن السياق العالمي، حيث سيواجه المغرب ارتفاعا كبيرا في أسعار البترول كونه دولة غير طاقية تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها، وهو ما سيخلق إشكالا كبيرا في التوريدات بسبب التكلفة المرتفعة للمواد الأساسية والأولية والطاقية، مما سيرفع فاتورة استهلاك العملة الصعبة ويؤدي حتما إلى تضخم مستورد.
واختتم الساري تصريحه بالتأكيد على أن هذا السيناريو الذي كان مستبعدا في السابق أصبح اليوم واقعا معاشا، مشددا على أن استمرار هذه التوترات لأكثر من أسبوع سيعمق الأزمة، في حين يظل الانفراج رهنا بإعادة فتح مضيق هرمز، وسط حالة من الترقب لمسارات الحرب المستقبلية.