خبراء بالرباط يفككون نموذج مدارس الريادة وسؤال الجودة والإنصاف

احتضنت كلية علوم التربية بالرباط، اليوم الأربعاء 12 فبراير 2026، ندوة وطنية حول موضوع “مدارس الريادة: سؤال النموذج ورهانات التحول التربوي”، بمشاركة مسؤولين مركزيين وباحثين وأكاديميين، في سياق يتسم بتسريع أوراش إصلاح المنظومة التربوية وتعزيز النقاش العمومي حول سبل الارتقاء بجودة التعليم العمومي وتحقيق الإنصاف داخل المدرسة المغربية.

وافتتحت أشغال الندوة بكلمات لكل من عبد اللطيف كداي، عميد كلية علوم التربية، وعثمان كاين، رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، فيما تولى يوسف نيت بلعيد، منسق ماستر تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة بكلية علوم التربية، تأطير النقاش.

وعرفت الندوة تقديم مداخلات لكل من مولاي يوسف الأزهري، المدير العام للعمل التربوي بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وفؤاد شفيقي، أستاذ باحث في علوم التربية، إلى جانب مصطفى البحيوي، أستاذ التعليم العالي وخبير في تقييم السياسات العمومية، حيث شكل اللقاء مناسبة لتبادل الرؤى حول نموذج “مدارس الريادة” وموقعه ضمن مسار الإصلاحات التربوية الوطنية.

ويأتي تنظيم هذه الندوة في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، والتي أضحت تفرض على المدرسة أدوارا تتجاوز نقل المعارف إلى بناء الكفايات والمهارات، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز القدرة على التعلم الذاتي والتكيف مع المتغيرات المتسارعة.

واستحضرت الندوة ما أفرزته التقييمات المختلفة من استمرار إشكالات بنيوية ترتبط بجودة التعلمات الأساسية، ومستويات الإنصاف وتكافؤ الفرص، وفعالية الممارسات البيداغوجية، فضلا عن تحديات الحكامة وتدبير الموارد البشرية، وهو ما جعل إصلاح التعليم خيارا استراتيجيا يستدعي إحداث تحول نوعي في نماذج التدخل التربوي، والانتقال من منطق الإصلاحات الجزئية إلى مقاربات شمولية ومندمجة.

ووفق الندوة يندرج نموذج مدارس الريادة ضمن هذه الدينامية الإصلاحية، بوصفه نموذجا يقوم على التجريب المنظم والمواكب لمقاربات تربوية مبتكرة، وأنماط حكامة متجددة، وآليات دعم مهنية موجهة للفاعلين التربويين.

ويهدف هذا النموذج إلى جعل المؤسسات التعليمية فضاءات للتجديد التربوي، قادرة على اختبار الحلول العملية وتكييفها مع السياقات المحلية، وتوفير شروط تعميم الممارسات الناجعة على مستوى المنظومة التعليمية.

وفي هذا الإطار، شكلت الندوة فرصة معرفية وتشاركية لتعميق النقاش التربوي حول هذا الاختيار الإصلاحي، وتقاسم التجارب الميدانية، وتحليل النتائج المحققة، واستشراف آفاق الاستدامة وتعميم النموذج.

ويستند هذا الورش إلى خارطة الطريق 2022-2026 من أجل مدرسة عمومية ذات جودة، التي اعتمدتها الحكومة في نونبر 2022، لتنزيل إصلاح المنظومة التربوية كما هو منصوص عليه في البرنامج الحكومي (2021-2026)، ووفق مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، واستحضارا لتوصيات النموذج التنموي الجديد.

وقد شُرع في تنفيذ الالتزامات الأساسية لهذه الخارطة ابتداء من الموسم الدراسي 2023/2024 على مستوى السلك الابتدائي، من خلال إطلاق برنامج مدارس الريادة باعتباره رافعة استراتيجية لإرساء أسس المدرسة العمومية للمستقبل، بالاعتماد على مقاربة تشاركية تتمحور حول المتعلم، وتستجيب لانتظارات التلاميذ وأسرهم وكذا الأطر التربوية والإدارية، بهدف تحسين جودة التعلمات الأساسية، والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز تفتح المتعلمين وتنمية كفاياتهم.

وقد تم تنزيل البرنامج في مرحلة أولى تجريبية بعدد من المدارس الابتدائية العمومية، مع اعتماد المشاركة الطوعية للأطر التربوية والإدارية، والاستعانة بهيئة التفتيش التربوي من أجل التأطير والمواكبة، وتفعيل آليات للتتبع البيداغوجي والتقييم المستمر.

وبناء على خلاصات التقييمات الخارجية والتقارير التركيبية، تم خلال الموسم الدراسي 2024/2025 الشروع في التوسيع التدريجي لتعميم مؤسسات الريادة بالسلك الابتدائي، مع إدخال تحسينات على نموذج الحكامة التربوية، وتعزيز المصاحبة البيداغوجية، وتطوير أدوات التتبع والتقييم بما يضمن الأثر الفعلي على تعلمات التلاميذ.

كما تم إطلاق مرحلة تجريبية لمؤسسات الريادة بالسلك الإعدادي، بهدف تأمين الاستمرارية البيداغوجية بين الأسلاك التعليمية والحد من التعثر الدراسي خلال مرحلة الانتقال.

وفي السياق ذاته، تم إعداد واعتماد مرسوم “شارة الريادة”، الذي يحدد الإطار المرجعي والمعايير والمؤشرات المعتمدة لمنح هذه الشارة لمؤسسات التعليم العمومي المستوفية لشروط الجودة والنجاعة التربوية، سواء على مستوى التعلمات أو الحكامة أو الانفتاح على المحيط، بما يجعلها آلية تنظيمية وتحفيزية لترسيخ ثقافة الجودة والتحسين المستمر.

وقد رامت الندوة في هدفها العام، المساهمة في بناء فهم معمق ومشترك لنموذج مدارس الريادة، وإبراز إمكاناته كرافعة لتحسين جودة التعليم وتحقيق الإنصاف داخل المنظومة التربوية المغربية.

كما سعت إلى تقديم الأسس المفاهيمية والبيداغوجية والفلسفية المؤطرة للنموذج، وتحليل الممارسات التربوية المبتكرة المعتمدة داخل هذه المؤسسات وقياس أثرها على التعلمات الأساسية وتنمية الكفايات، ومناقشة آليات الحكامة والتدبير وأدوار الفاعلين التربويين في إنجاحه، إلى جانب تسليط الضوء على النتائج المحققة والإكراهات المطروحة والدروس المستخلصة من تجربة التوسيع، وتشجيع تبادل الخبرات وتثمين الممارسات الجيدة وربط جسور التعاون بين البحث التربوي والممارسة الميدانية.

وقد توزعت أشغال الندوة على محاور همّت تأطير نموذج مدارس الريادة من حيث الأسس المرجعية والرؤية العامة وعلاقته بالتحول المنشود في المدرسة العمومية، وموقعه ضمن مسار الإصلاحات الوطنية وانسجامه مع التوجهات الكبرى للسياسات العمومية في مجال التربية والتكوين.

كما ناقشت الابتكار التربوي وجودة التعلمات من خلال المقاربات المتمركزة حول المتعلم، وقضايا التقييم التربوي وتتبع الأداء وتشخيص التعثرات الدراسية ومعالجتها.

وتطرقت أيضا إلى دور الأستاذ باعتباره فاعلا مركزيا في إنجاح النموذج، مع التركيز على آليات المواكبة المهنية والتكوين الأساس والمستمر والتحفيز، إضافة إلى الحكامة والتدبير وبناء الشراكات وإشراك الأسر والشركاء المؤسساتيين.

واختتمت المحاور بتحليل الأثر والاستدامة وآفاق التعميم، عبر استحضار مؤشرات الأداء والتقييم، ورصد التحديات المرتبطة بتوسيع النموذج وضمان استدامته بما يخدم جودة التعليم والإنصاف داخل المنظومة التربوية.

وفي تصريح له، أكد عبد اللطيف كداي، عميد كلية علوم التربية، أن تنظيم هذه الندوة حول مدارس الريادة يهدف إلى مساءلة هذا النموذج الرائد على المستوى الوطني، مبرزا أن الدولة المغربية ساهمت بشكل قوي في إنجاح هذه التجربة التي وصفها بالمهمة في مسار إصلاح المنظومة التربوية.

وأوضح أن دور الباحثين يتمثل اليوم في إخضاع هذه التجربة للنقاش العلمي الرصين، وتقديم التوصيات اللازمة لمواكبة تعميمها، خاصة وأن النموذج مرشح للتوسيع على مستوى المدارس المغربية.

وأضاف أن الرهان الأساسي يتمثل في الارتقاء بالمدرسة العمومية وتمكين التلاميذ المغاربة من تحقيق النجاحات المرجوة، معتبرا أن الهدف النهائي هو بلوغ مستويات عليا من النجاح المدرسي، بما ينعكس إيجابا على مساراتهم الجامعية لاحقا، نظرا لأن أي تعثر على مستوى التعليم المدرسي ستكون له تداعيات مباشرة على أداء الجامعة المغربية.

من جهته، أكد عثمان كاير، رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، في تصريح صحافي، أن هذه الندوة الوطنية، التي ينظمها المرصد بشراكة مع كلية علوم التربية، تروم فتح نقاش موسع حول نموذج مؤسسات الريادة ورهانات التحول التربوي المنشود بالمغرب، من خلال معالجة مختلف أبعاده.

وأشار إلى أن النقاش يشمل تطوير التعلمات الأساسية لدى التلاميذ، ومقاربات التقييم، وآليات تطوير النموذج، إلى جانب تعبئة مختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالفاعلين المؤسساتيين أو التربويين أو بأسر التلاميذ، وذلك في أفق تعميمه على المستوى الوطني بما يعزز دينامية إصلاح المدرسة العمومية ويساهم في تطوير أدائها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *