أثار بلاغ الديوان الملكي، الصادر يوم الخميس 22 من يناير عقب نهاية منافسات كأس الأمم الإفريقية، نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، بالنظر إلى توقيته ودلالاته وسياقه العام.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية هادئة، تتجاوز منطق ردود الفعل، وتسعى إلى تفكيك مضامين البلاغ وقراءته في ضوء التحولات التي رافقت المرحلة، سواء على المستوى الداخلي أو في ما يتعلق بعلاقات المغرب بعمقه الإفريقي.
وفي هذا السياق أكد المحلل السياسي ميلود بلقاضي، أن أي تحليل لبلاغ ملكي يظل ناقصا إذا لم يربط بسياقه العام، مبرزا أن السياق الذي صدر فيه بلاغ الديوان الملكي هيمن على وجدان أزيد من أربعين مليون مغربي داخل الوطن، وملايين المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة بعد الكيفية التي فاز بها المنتخب السنغالي على المنتخب المغربي في نهائي كأس الأمم الإفريقية، وما خلفه ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية غير مسبوقة.
وأوضح بلقاضي، خلال حلوله ضيفا على برنامج مع الحدث الذي يبث على قناة جريدة “بلبريس”، أن هذه التداعيات لم تكن سهلة، حيث تم تسجيل سلوكات مقلقة داخل بعض الفضاءات الجامعية والتجارية، من بينها مطالبات بطرد أفارقة من مؤسسات جامعية، واعتداءات متبادلة بين طلبة وتجار، ما كشف عن حجم الاحتقان الذي تجاوز الإطار الرياضي إلى أبعاد اجتماعية خطيرة، استدعت تدخلا سياديا يعيد التوازن ويضع الأمور في نصابها.
د.بلقاضي: نموذج راق في تواصل تدبير الأزمات ومرجع يحتذى به من المسؤولين
وفي هذا الإطار، اعتبر ميلود بالقاضي أن بلاغ الد يوان الملكي شكل نموذجا راقيا في تواصل تدبير الأزمات، سواء من حيث الشكل أو المضمون، حيث شخص الوضع بدقة، وقدم الواقع كما هو، قبل أن يفتح أفق الحلول والمعالجة، بلغة راقية، دقيقة المفاهيم، عميقة الدلالة، ومنسجمة فكريا.
وأضاف أن هذا النوع من البلاغات ينبغي أن يشكل مرجعا يحتذى به من طرف المسؤولين الحكوميين والرياضيين في كيفية مخاطبة الرأي العام خلال اللحظات الحرجة.
وسجل المحلل السياسي أن من أبرز عناصر قوة البلاغ الملكي تعمده عدم ذكر اسم أي دولة بعينها، لا السنغال ولا غيرها، مكتفيا بالإشارة بصيغة الجمع إلى وجود «أعداء» و«مخططات»، وهو ما يعكس منطق الملك، كملك للأمة، يتعالى عن التفاصيل الظرفية، ويخاطب القضايا من منظور استراتيجي شامل، كما أن استهلال البلاغ بالإشادة بالمغاربة الذين ساندوا المنتخب الوطني، وبحسن استقبالهم لباقي الفرق الإفريقية، يحمل رسالة واضحة مفادها أن الشعب المغربي هو شعب أمة، متشبث بقيم الضيافة والتعايش.
نور الدين: بلاغ الديوان الملكي أعاد البوصلة إلى مكانها الصحيح وحمل رسائل قوية
وفي قراءة تحليلية موازية، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين أن بلاغ الديوان الملكي يمكن قراءته من عدة زوايا، في مقدمتها الزاوية السيكولوجية، حيث سعى جلالة الملك إلى إبطال مفعول تفاعلات جماهيرية قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى ما يشبه التفاعلات الكيماوية، تنطلق من حدث بسيط ثم تتطور تدريجيا إلى كرة ثلج يصعب التحكم فيها.
وأوضح نور الدين،خلال حلوله ضيفا على برنامج مع الحدث الذي يبث على قناة جريدة “بلبريس”، أن جلالة الملك أراد، من خلال البلاغ، إعادة البوصلة إلى مكانها الصحيح، والتأكيد على أن المنافسات الرياضية، كما ورد في البلاغ، منحت للشعب المغربي وللشعوب الإفريقية شهرا كاملا من الاحتفالات والفرح الجماعي، باعتبارها مناسبات تشبه الكرنفال، تجتمع فيها أربع وعشرون دولة إفريقية، تستعرض ثقافاتها وفنونها وهوياتها، قبل أن ينصرف الجميع ويبقى في النهاية فريق واحد فائز، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر للتوتر أو الصدام.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية أن البلاغ الملكي حمل رسائل قوية إلى الداخل، حين ذكر جلالة الملك بأن المغرب حقق انتصارات رياضية كبرى، مكنته من بلوغ مراتب عالمية متقدمة، من بينها التصنيف الثامن عالميا، وهو إنجاز لا يمكن اعتباره أمرا بسيطا أو وليد الصدفة
. كما أبرز البلاغ الصورة الإيجابية لكرم الضيافة المغربية، وجودة التنظيم، وقوة البنيات التحتية، في رد غير مباشر على الجهات المغرضة التي تحاول التشويش على النجاحات المغربية.
وأشار نور الدين إلى أن حديث جلالة الملك عن «مخططات سوداء» يوجه رسالة واضحة إلى تلك الجهات مفادها أن المغرب واع بهذه المخططات، لكنه لن يستدرج إلى مستنقعاتها، مؤكدا أن ما يحققه المغرب اليوم هو نتيجة استراتيجية طويلة النفس، وليست صدفة عابرة، مستدلا في هذا السياق بتعدد الألقاب والإنجازات التي حققتها الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة، من بطولات عربية وقارية، إلى التتويج العالمي للفئات السنية، وتألق كرة القدم النسوية، إضافة إلى بلوغ نصف نهائي كأس العالم.
وأكد الخبير أن هذه النتائج تندرج ضمن رؤية شاملة يقودها جلالة الملك منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة، حيث جعل من الرياضة رافعة من رافعات مشروع النهضة والإقلاع الاقتصادي، مدعومة ببرامج تنفيذية ملموسة على أرض الواقع، من بينها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي بدأت تجني ثمارها بشكل واضح.
وفي البعد الإفريقي، شدد أحمد نور الدين على أن تأكيد جلالة الملك على عمق العلاقات التاريخية التي تربط المغرب بالقارة الإفريقية، والتي تمتد لقرون، يعكس موقفا استراتيجيا ثابتا، مفاده أن المملكة لن تسمح لأي مخططات مشبوهة بأن تحيد بها عن مسارها الإفريقي. وأوضح أن المغرب استثمر بشكل كبير في علاقاته مع إفريقيا، على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والتكوينية، ما يجعل هذا الخيار راسخا وغير قابل للتراجع.
ويخلص متابعون إلى أن بلاغ الديوان الملكي لم يكن مجرد تفاعل مع حدث رياضي، بل خطاب دولة متكامل، جمع بين الحكمة والصرامة، وأعاد ضبط الوجدان الجماعي، وحمى السلم الاجتماعي، مؤكدا أن المغرب، بقيادته، ماض بثبات في مساره الاستراتيجي، إفريقيا ودوليا.