تفيد معطيات متطابقة بأن مسطرة انتخاب عضو جديد بالمحكمة الدستورية عن مجلس النواب ما تزال متعثرة، في ظل غياب أي ترشيح رسمي إلى حدود الآن، رغم اقتراب انتهاء الآجال القانونية المحددة لذلك. ويعزى هذا التأخر، بحسب مصدر مطلع، إلى استمرار الخلاف السياسي بين مكونات المجلس حول الجهة الحزبية التي تعود لها أحقية تقديم الترشيح، على خلفية اختلاف في تأويل اتفاق سابق يتعلق بالتناوب بين الأحزاب البرلمانية وفق ترتيبها وعدد مقاعدها.
وحسب المصدر ذاته، فإن هذا الملف طُرح خلال اجتماع ندوة الرؤساء بمجلس النواب، حيث برز تباين واضح في المواقف عقب تأكيد رئيس المجلس، راشيد الطالبي العلمي، أن الدور يعود إلى حزب الاتحاد الدستوري. هذا الطرح قوبل باعتراض من رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية، الذي اعتبر أن حزبه هو المعني بالمقعد الشاغر، مستندا بدوره إلى نفس الاتفاق السياسي الذي ينظم توزيع المقاعد البرلمانية داخل المحكمة الدستورية.
ويعود أصل هذا الخلاف، وفق المعطيات المتوفرة، إلى سنة 2020، حين بادر الفريق الاشتراكي إلى إعادة ترشيح نفسه لشغل مقعد شاغر داخل المحكمة، عبر تقديم محمد علمي، الرئيس السابق لفريقه بمجلس المستشارين، خلال فترة رئاسة حبيب المالكي. وقد اعتُبر هذا الترشيح آنذاك محل جدل، باعتبار أن ترتيب الأحزاب المعتمد في تلك المرحلة كان يمنح الأسبقية لحزب الاتحاد الدستوري، وليس للفريق الاشتراكي.
وتشير المصادر نفسها إلى أن اتفاقا سياسيا سابقا، جرى التوصل إليه سنة 2016، كان يقضي بأن يتم شغل المقاعد الستة العائدة للبرلمان داخل المحكمة الدستورية بالتوافق بين الفرق والمجموعات البرلمانية. وبناء على ترتيب سنة 2016، فإن المقعد موضوع الخلاف الحالي يعود إلى الاتحاد الدستوري، في حين أن اعتماد نتائج وترتيب انتخابات 2021 يمنح الأحقية لحزب التقدم والاشتراكية، وهو ما عمق من حدة التباين في قراءة المرجعية المعتمدة.
وفي ظل هذا الوضع، تتحدث مصادر برلمانية عن توجه نحو البحث عن توافق سياسي جديد، يقوده رئيس مجلس النواب، لتجاوز حالة الانسداد القائمة. وفي المقابل، يفضل حزب التقدم والاشتراكية التريث في تقديم ترشيحه، خاصة وأن الاسم المتداول داخل الحزب هو عبد اللطيف أوعمو، الذي لا يبدي حماسا كبيرا لخوض هذا الاستحقاق، رغم اقتناع قيادة الحزب بأحقيته في المقعد. كما يتحفظ الفريق على التقدم بترشيح قد لا يحظى بضمانات كافية للنجاح، رغم أن الإطار القانوني يتيح لأي طرف تتوفر فيه الشروط تقديم مرشحه.
ومن المنتظر أن تنقضي الآجال القانونية لإيداع الترشيحات يوم الاثنين المقبل، علما أن مجلس النواب كان قد فتح باب الترشيح من أجل تعويض محمد بن عبد الصادق، الذي جرى انتخابه عضوا بالمحكمة الدستورية يوم 14 يونيو 2016، بناء على ترشيح فريق العدالة والتنمية، لولاية انتدابية مدتها تسع سنوات.
ويؤطر هذا الاستحقاق مقتضيات القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، الذي يحدد شروطا دقيقة للترشح، من بينها التوفر على تكوين عال في مجال القانون، والكفاءة القضائية أو الفقهية أو الإدارية، مع تجربة مهنية لا تقل عن خمس عشرة سنة، إضافة إلى شرط النزاهة والتجرد والسمعة المشهود لها، بما ينسجم مع طبيعة المهام الدستورية الحساسة المنوطة بأعضاء المحكمة.