قالت أمال بنبراهيم، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن بلاغ الديوان الملكي الصادر اليوم يسمو عن كونه مادة إخبارية عابرة، ليترسخ بوصفه فعلا سياديا يعيد ضبط المعاني وترتيب المواقف، ويشكل شاهدا على لحظة تاريخية مكتملة الدلالات. وأضافت أن لغة البلاغ تحررت من حدود التعليق على ختام تظاهرة رياضية، لتغدو خطابا مؤسسا لذاكرة جماعية، يمنح الحدث امتدادا زمنيا يتجاوز إطار التسعين دقيقة، وعمقا رمزيا يعلو على حسابات النتيجة المجردة.
وأوضحت بنبراهيم في تصريح لـ”بلبريس” أن الشكر الملكي لم يرد باعتباره إجراء بروتوكوليا، بل جاء اعترافا سياديا بالفعل الجماعي، استوعب في بنيته مختلف مكونات الأمة المغربية، وكرس تصورا وطنيا يجعل المجتمع شريكا أصيلا في الإنجاز لا مجرد متلق لآثاره، معتبرة أن هذا التأسيس يحول الأمة المغربية إلى فاعل تاريخي واع، وتنبني فيه شرعية النجاح على المشاركة الوجدانية والمسؤولية المدنية، لا على التفوق التقني المجرد.
وتابعت أمال بنبراهيم أن المنتخب الوطني، في سياق هذا التوافق الرمزي، يفرض نفسه ككيان يتجاوز وظيفته الرياضية ليغدو تمثيلا مكتملا للوطن وهو يقدم ذاته للعالم، إذ يتحول الفريق إلى جسد رمزي حامل لألوان البلاد ومجسد لاختياراتها الكبرى. وأضافت أن الإنجاز يعاد تأطيره باعتباره ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا حصيلة ظرف عابر أو مصادفة مواتية، ويزداد رسوخا مع استدعاء مغاربة العالم، حيث يتحول الانتماء من رابطة جغرافية إلى خيار وجداني واع تمارس فيه الوطنية سلوكا وممارسة قبل أن تكون خطابا.
وأبرزت المتحدثة أن البلاغ لا يقف عند حدود الإشادة والتثمين، بل يجعل من التظاهرة الرياضية معيارا دالا على التحول التنموي الذي تشهده المملكة، مبرزة أن النجاح التنظيمي، والكثافة الجماهيرية، والتفاعل الشعبي، والإشعاع الدولي، تشكل مؤشرات واضحة على طفرة نوعية يحققها النموذج المغربي، نموذج يضع الوطن والمواطن في صلب الرؤية، وتتحول فيه الرياضة إلى لغة حضارية تقاس بها نجاعة السياسات ووجاهة الاختيارات وصدق الرهانات.
وأضافت بنبراهيم أن البلاغ، وهو يشيد بهذا المنجز، لم يغفل ما رافق ختام المنافسة من لحظات ارتباك، غير أنه عالجها بروح الحكمة وضبط النفس، لا بمنطق الانفعال، في إشارة رمزية إلى عودة العقل بعد انحسار العاطفة، وتغليب الروابط الإفريقية الراسخة في التاريخ على تقلبات اللحظة العابرة.
وأكدت أن البلاغ ينحاز، في مواجهة محاولات التشويش والتشكيك، إلى مسار يتسم بالرزانة والنضج، قوامه الثقة في وعي المجتمع، دون تصعيد أو ردود متعجلة، بل بإيمان هادئ بأن الشعب المغربي يمتلك من النضج ما يؤهله للتمييز والفرز، ويحصنه من الانسياق وراء خطابات الحقد والكراهية، في تجسيد لما وصفته ببلاغة القوة الهادئة التي تحصن الداخل دون الالتفات إلى ضجيج الخارج.
كما تابعت أمال بنبراهيم أن البلاغ يتضمن في عمقه بعدا حقوقيا ساميا، يعكس وفاء المغرب بالتزاماته الدولية في مناهضة كل أشكال التمييز، حيث يتم تفعيل هذه القيم دون استدعاء مباشر للنصوص والعهود، من خلال صمت الدولة الواثقة التي تجعل من خطابها مرجعية أخلاقية، وتكرس المساواة كممارسة يومية راسخة لا كشعار ظرفي عابر.
وختمت بنبراهيم بالتأكيد على أن البلاغ يدحض، بهذا النفس المتزن، السرديات التي تحاول تصوير المغرب في موقع العزلة، لا عبر الجدل والمواجهة، بل بالفعل الحقوقي الهادئ المؤسس على المبادئ الكونية، مبرزا صورة بلد منفتح ومتعدد الانتماءات الإفريقية والإنسانية، قبل أن يعيد توجيه البوصلة نحو امتدادها الطبيعي، إفريقيا، باعتبارها فضاء تاريخيا وأخلاقيا مشتركا، حيث يرى المغرب في نجاحه الوطني رافعة لإشعاع قاري أوسع، ويؤمن بأن تقاسم التجارب وتبادل الخبرات يشكلان مدخلا لبناء إفريقيا موحدة وقادرة على النهوض.