cr

"العرائض".. الوجه "الناعم" للاحتجاج والرفض السلمي

لا تنفك الشعوب تطور من أساليبها، لبث شكواها، رفضها، نقدها ومعارضتها لما يجري في بلدانها، خصوصًا عندما يغيب صوت المواطن في الدهاليز السياسية، مكاتب المسؤولين وقباب البرلمانات.

فإذا كانت المعارضات "تهمس من وراء ظهر الحاكم"، فإن الشعوب تراوغ، و"تقاوم بالحيلة"، حسب ما جاء به الأميركي "جيمس سكوت"، في مؤلفه الشهير، الذي حمل ذات الإسم.
ولا يخلوا المشهد المغربي، من مظاهر الرفض السلمي، للقوانين التي يعتبرها الكثيرون "جائرة" وقديمة، لم تعد تليق بمغرب القرن الواحد والعشرين.

وشهد المغرب مؤخرًا، انتشار عرائض، يحمل فحواها دعاوى والتماسات موقعة من قِبل نشطاء، سياسيون، حقوقيون ومواطنون بشأن قضية معينة، تتعلق أساسًا بالقضايا الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، كان أشهرها عريضة الحياة، التي طالبت بمجانية علاج مرضى السرطان، ووثيقة 11 يناير، التي تطالب بمغرب خالي من الاعتقال السياسي، وغيرها من العرائض التي شغلت الرأي العام، وأخذت حيزا في المشهد الإعلامي، وصارت وجهًا أملسًا للاحتجاجات.

 

اليأس والأمل

 

يساور الكثير من المغاربة المصابين بالسرطان الاستياء واليأس من الوصول إلى الخدمات الصحية المجانية. وحتى غيرهم من المغاربة، يتقاسمون معهم هذا الشعور، وبهذا المعنى، أطلقوا للتو حملة على شبكات التواصل، تطالب بمجانية العلاج.

أسماء بلعربي، إحدى أعضاء لجنة عريضة إنشاء صندوق لعلاج مرضى السرطان، وفي حديثها مع "بلبريس"، تقول، أن عريضة الحياة كانت "فرصة لنا لتنزيل حق دستوري، وفرصة أيضاً لنشرح للناس قانونية العرائض وطريقة تفعيلها والعمل بها".

وتشرح بلعربي، كيف تفاعل الناس مع العريضة و"سارعوا بالآلاف إلى التوقيع، وكان شرط التسجيل يدفع بالعديد منهم إلى التساؤل حول اذا ما كانت العريضة تابعة لحزب ما أو حملة انتخابية سابقة لأوانها".

وتؤكد الناشطة لـ"بلبريس"، أن تفاعل الناس مع عريضة الحياة كان "بسبب أننا كلنا، (#مابغيناش نموتو بالسرطان)، وأن الاغلبية عايشوا عن قرب معاناة قريب أو صديق مع هذا الداء".
بلعربي، وبعد انتهاء الوقت المحدد لجمع التواقيع "التي تجاوزت بعشرات المرات العدد المطلوب في النصاب (خمسة الاف توقيع)"، تأمل أن "تجد آذانا صاغية من طرف المسؤولين ويحدث الصندوق ليتمكن الجميع من العلاج".

عريضة مرضى السرطان التي وجهت لرئيس الحكومة يوم أمس، والذي وصل عدد الموقعين عليها لـ40 ألف و608 موقع، يقول الخبير الحقوقي، عزيز إدامين في شأنها "هذه العريضة المذكورة تدخل ضمن خانة العرائض المؤسساتية وهي المؤطرة بقانون تنظيمي الذي ينظم جمع التوقيعات وأيضا المواضيع التي يمكن أن تشملها".

 

"وما يعاب على العريضة المؤسساتية كما هو الشأن بالنسبة لعريضة مرضى السرطان هي مجموعة من القيود والشروط التي وضعها المشرع المغربي، للأسف فالأخير لم يساهم في تسيير المساطر القانونية لمثل هذه العرائض" وفقا لتعبير عزيز إدامين في حديثه لـ"بلبريس".

 

تمرين ديموقراطي

 

ائتلاف 490، أو الخارجون عن القانون، من النساء والرجال المغاربة الذين يشجبون التناقض في البلاد، ويطالبون بإصلاح القانون الجنائي، منذ قضية الصحفية هاجر الريسوني، التي اعتقلت بتهمة الإجهاض، قبل أن يتم إطلاق سراحها.

وتقول كريمة نادر، عضو بـ"ائتلاف 490"، في حديثها لـ"بلبريس"، أن تقديم العريضة، جاء من "أجل ضمان «احترام المبادئ الدستورية في القوانين ورفع القيود على الحريات» (الاسم الرسمي)، كأول خطوة إجرائية وقانونية بعدما جمعنا أكثر من 15 ألف توقيعا على «نداء خارجة عن القانون»، والذي تم إطلاقه بالمغرب على إثر اعتقال الصحفية هاجر الريسوني ومحاكمتها بتهمتي الفساد والإجهاض".

وتؤكد عضو الائتلاف، أن الخطوة كانت تفاعل من مواطنات ومواطنين مغاربة "لنعبر عن غضبنا، واكتفاءنا من هذه القوانين التي تجرم الحريات الفردية وتخول للدولة والمجتمع ممارسة سلطة أخلاقوية في خرق سافر لحميمية الأفراد وخصوصيتهم".

وتضيف نادر، "من تم فكرنا في اللجوء إلى كافة الوسائل المشروعة التي يمكننا بها توسيع دائرة النقاش الجدي حول هذه الفصول من القانون الجنائي، لتطال المؤسسة التشريعية؛ باعتبارها المسؤول الأول عن تغيير وإصلاح القوانين، ومن ضمن هاته الوسائل هناك ما يتيحه دستور 2011 من إمكانيات تسمح للمواطنات والمواطنين بممارسة نوع من الديمقراطية التشاركية عبر العرائض والملتمسات، التي تتعلق بتدبير مختلف ملفات الشأن العام". وتقول، "تقدمنا يوم 5 من دجنبر السنة الماضية بعريضة للبرلمان نطالبه فيها بحذف عدد من الفصول المجرمة للحريات الفردية من القانون الجنائي المغربي، وقد بلغ عدد التوقيعات إلى يومنا هذا 2500 توقيعًا، أي نصف النصاب القانوني المطلوب لقبول العرائض حسب القانون المنظم".

وبالنسبة لتفاعل المؤسسة التشريعية والحكومة معا بخصوص موضوع العريضة، ترى نادر، في حديثها لـ"بلبريس"، أنه "يتطلب دعمًا من الفرق البرلمانية".

 

وفي هذا الصدد، تضيف قائلةً "قمنا بالتواصل مع عدد من النواب عن أحزاب مختلفة، من أجل الدفع في سياق طرح النقاش حول العريضة، فمجرد تقديمها وقبولها لا يعني بتاتًا أنه ستتم مناقشتها، كما أنه وبالموازاة مع هذا سنواكب النقاش بحملة إعلامية كنوع من الضغط الإيجابي".

و"طبعا كل هذا لا يعني أن النتيجة ستكون إيجابية، لكنه تمرين في الديمقراطية لنا أولا كمواطنات ومواطنين لا نألف هذا النوع من الممارسات في اليومي، وثانيًا فرصة لنساءل الدولة ومؤسساتها عن مدى جديتها بخصوص تكريس الديمقراطية التشاركية كما نص عليها دستور 2011"، وفق ما خلصت إليه كريمة نادر.

 

حكومة "بدون جرأة" للعفو

 

أما عن معتقلي الرأي والتعبير، والاحتجاجات الاجتماعي، عمل مجموعة من الحقوقيين والفاعلين السياسية على إحداث عريضة للمطالبة بإطلاق معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين .

وفي هذا الإطار يقول الناشط الحقوقي والسياسي، خالد البكاري، وأحد الموقعين على العريضة، "عريضة "2020 مغرب بدون معتقلي رأي ومعتقلين سياسيين" هي عريضة شعبية مدنية، لا تندرج ضمن العرائض كما يحددها قانون العرائض والملتمسات".

ويضيف المتحدث في تصريح لـ"بلبريس" "هدف العريضة الترافع الحقوقي من أجل حرية المعتقلين السياسيين، قدر الواقفون وراء العريضة، ان لا جدوى من عريضة موجهة للبرلمان تو رئيس الحكومة من أجل تفعيل مطلب العفو العام، الذي وإن كان ممكنا قانونيا، ولكنه متعذر سياسيا، لأن الحكومة و الاحزاب لا تمتلكان الشجاعة لأجرأة العفو العام، خوفا من تفسير ذلك وكأنه تحد للمؤسسة الملكية التي تملك صلاحية العفو الخاص،، لذلك فالعريضة هي جزء من وسائل أخرى لحشد الدعم لقضية الاعتقال السياسي من أجل الضغط في أفق انفراج سياسي وحقوقي".

 

في مقابل العريضة المؤسساتية، نجد عريضة "2020 مغرب بدون معتقلي رأي ومعتقلين سياسيين" والتي تدخل في خانة العرائض المدنية، والتي تستعمل من أجل الترافع المدني والتعبئة والتحسيس في قضية معينة ولا يشملها قانون معين ويمكنها جمع التوقيعات عبر الأنترنت، وليست لديها مساطر دقيقة .

وفي الإطار ذاته يعتبر عزيز إدامين لـ"بلبريس" أن العريضة المدنية كذلك آلية مشروعة ضمنها المشرع الدولي وتضمنها المواثيق الدولية كنوع من المشاركة السياسية والمدنية في الشأن العام .

"ويمكن أن توجه هذه العريضة إلى الأحزاب السياسية والفنانين والفرق البرلمانية من أجل الدفاع والترافع المدني على قضية معينة" وفقا لإدامين في تصريحه .

ويرى الخبير الحقوقي، أنه في كلا العريضتين، يلزم الضغط والحشد من قبل مناصريها من أجل تفعيلها وإيصالها لصناع القرار .

 

البرلمان بدون "عرائض"

 

من جانبها تقول زهور الوهابي عضو الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، بمجلس النواب "لحدود الساعة لم يتوصل البرلمان بأي عريضة لكي يتم املتفاعل معها ".

وتضيف الوهابي في اتصال هاتفي لـ"بلبريس" "لم يتوصل البرلمان بأي عريضة تروم إلى إحداث صندوق لمكافحة السرطان، أو إسقاط فصول للقانون الجنائي تمس الحريات الفردية للمواطنين".

وتتابع المتحدثة حول المسطرة المتخدة بالنسبة للعرائض "تعرض افي قبة البرلمان وتعرض على المجلس من أجل التصويت عليها من عدمها"، مشددة "لا توجد تجربة في البرلمان مع العرائض".

 

الكرة في ملعب صناع القرار

 

أمام العرائض المقدمة لصناع القرار كما هو الشأن بالنسبة لإحداث صندوق لمرضى السرطان، والأخرى مهمتها تحسيسية وترافعية من أجل خروج الدولة من غرف النوم ورفع اليد على الحريات الفردية للمواطنين، الحكومة تبقى في موقف محرج لطبيعة المطالب الاستعجالية .

فكما الأمس القريب عندما أكد وزير الصحة أنه لا يمكن تقديم العلاج لمرضى السرطان مجانا والأمر أشبه بالاستحالة، اليوم أكثر من أربعين ناخبا يوقعون على عريضة لعلاجهم(ن) مجانا فهل تسجيب الحكومة لمطالب هذه الفئة الناخبة ؟

وكذلك الأمر بالنسبة للألاف الذي وقعو على عريضة خارجون وخارجات على القانون فهل بإمكان نواب الأمة الانتصار لمطالب الحقوقيين وفئة واسعة من المغاربة، والخروج من حجر النوم وعدم التدخل في الميولات الجنسية للمواطنين ؟

هي أسئلة وأخرى الأشهر والأسابيع المقبلة كفيلة بالإجابة، وعن ما إذا كانت حكومة سعد الدين العثماني ستنصت أخيرا لنبض الشارع المغربي .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.