عزيز أخنوش يبقى رجل دولة كبيرا، سينصفه التاريخ يوما، وإن كنا نختلف معه في كيفية حكامته وتدبيره للسياسات العمومية عندما كان رئيس حكومة.
صحيح، عزيز أخنوش نجح في إيصال حزب التجمع الوطني للأحرار إلى رئاسة الحكومة، ونجح في جعل الحزب يتصدر المشهد الانتخابي سنة 2021. لكن السياسة لا تتوقف عند لحظة الصعود، بل تبدأ بعدها أسئلة أكثر صعوبة: هل كان الحزب قويا بما يكفي ليصل إلى القمة، أم أن قوة أخنوش وإمكاناته كانت جزءا أساسيا من هذا الصعود؟ وهل استطاع أخنوش، خلال سنوات قيادته، أن يبني تنظيما قادرا على مواصلة الطريق من دونه؟ ولماذا انهار الحزب بعد ابتعاده عن قيادته؟ ولماذا وكيف أصبح جسد الحزب صغيرا عن المعطف الذي فصله أخنوش لحزب الحمامة؟
![]()
د.ميلود بلقاضي
هذه الأسئلة، وأخرى، لا تنتقص من تأثير أخنوش في مسار الحزب، بقدر ما تضع تجربته أمام اختبار مختلف. فقد تولى قيادة التجمع الوطني للأحرار سنة 2016، وقاده إلى تصدر انتخابات 2021 بحصوله على 102 مقعد، ثم أصبح رئيسا للحكومة. وهي محطة مهمة في تاريخ الحزب، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى رسوخ قوته السياسية أو قدرته على الاستمرار. فالفوز بالانتخابات يفتح أبواب السلطة، أما بناء حزب قادر على الحفاظ على مكانته فيحتاج إلى عمل أطول وأكثر تعقيدا، وإلى قيادات كاريزمية.
ربما كان أحد أسرار صعود أخنوش هو قدرته على تقديم نفسه باعتباره رجل تدبير وإنجاز، في وقت كانت فيه قطاعات من الرأي العام تنتظر من الأحزاب أجوبة عملية عن مشكلات الاقتصاد والشغل والخدمات الاجتماعية. واستطاع التجمع الوطني للأحرار أن يستثمر هذا الخطاب، وأن يقدم نفسه في صورة حزب قادر على قيادة الحكومة. لكن ما ينجح في الحملة الانتخابية لا يضمن بالضرورة النجاح في بناء علاقة دائمة مع المجتمع، خصوصا عندما يصبح الحزب مسؤولا عن قرارات حكومية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وهنا تظهر المفارقة. فقد يكون الحزب قد استفاد كثيرا من حضور أخنوش وإمكاناته، لكن السؤال هو ما إذا كانت هذه الاستفادة قد تحولت إلى قوة تنظيمية مستقلة، أم أن جزءا من الرصيد السياسي ظل مرتبطا بشخصه؟
فالزعيم يستطيع أن يمنح حزبه زخما، وأن يفتح أمامه آفاقا جديدة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع مؤسسة تستمر بالقوة نفسها بعد مغادرته. ذلك أن الحزب، في نهاية الأمر، ليس صورة رئيسه، ولا مجرد آلة انتخابية تشتغل كلما اقترب موعد الاقتراع؛ إنه تنظيم يفترض أن يمتلك قياداته وأفكاره وعلاقاته بالمجتمع.
ولعل صورة المعطف الذي يفوق مقاس الجسد تختصر جانبا من هذه المفارقة. فقد أراد أخنوش للتجمع الوطني للأحرار أن يكون حزبا في حجم طموح قيادة الحكومة وتصدر المشهد السياسي، لكن السؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة هو ما إذا كان جسد الحزب التنظيمي والاجتماعي قد اتسع فعلا لهذا المعطف. فامتلاك الإمكانات، وحضور وسائل التواصل، والقدرة على خوض المنافسة الانتخابية، كلها عوامل مهمة، لكنها لا تعوض غياب نقاش سياسي متجدد أو ضعف التواصل مع المواطنين أو محدودية قدرة التنظيم على إنتاج قيادات تمتلك حضورها ومصداقيتها الخاصة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإنكار ما راكمه الحزب من تجربة أو بالتقليل من شأن أطره ومنتخبيه. فالتجمع الوطني للأحرار يتوفر على تنظيمات وقيادات محلية وتجربة في تدبير الشأن العام، ولا يمكن اختزال كل ذلك في شخص أخنوش. غير أن وجود هذه العناصر لا يحسم السؤال الأساسي: هل تستطيع المؤسسة أن تتحرك بفاعلية عندما تتغير القيادة، وأن تدبر خلافاتها وتحدد أولوياتها من دون أن تظل أسيرة المرحلة التي صنعت صعودها؟
إن مغادرة أخنوش قيادة الحزب تضع اليوم الحزب في مفترق الطرق، فبعد سنوات ارتبطت فيها صورة التجمع الوطني للأحرار بقائده، يصبح من حق المراقب أن يسأل عما إذا كان الحزب قد بنى من القوة الذاتية ما يسمح له بمواصلة المسار. ولن تكون الإجابة في التصريحات أو في تغيير الأسماء داخل القيادة، بل في الممارسة الفعلية: هل ستظهر قيادات جديدة قادرة على إقناع المواطنين؟ هل سيحافظ الحزب على تماسكه التنظيمي؟ وهل سيتمكن من تجديد خطابه والاقتراب أكثر من الفئات التي تنتظر منه حلولا ملموسة؟
ثمة فرق كبير بين حزب يفوز في الانتخابات وحزب يرسخ مكانته في المجتمع. الأول قد يستفيد من ظرفية سياسية مناسبة أو من قيادة قوية أو من قدرة كبيرة على التعبئة، أما الثاني فيحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى حضور مستمر بين المواطنين، وإلى نخب تتجدد، وإلى مواقف واضحة، وإلى قدرة على الدفاع عن اختياراته ومراجعة أخطائه عند الضرورة. ومن هنا، فإن الوزن الحقيقي للتجمع الوطني للأحرار لن تحدده صورة أخنوش بعد مغادرته، وإنما ما سيستطيع الحزب القيام به في غيابه.
إنه التحدي الأكبر لحزب الحمامة اليوم؟
شوكي، الرئيس الحالي لحزب الحمامة، لديه إرادة قوية للعمل،لكنه ورث معطفا كبيرا غير مفصل على حجم جسده، بل على حجم جسد أخنوش، الرجل القوي الذي شكّل ابتعاده عن قيادة الحزب محطة مفصلية في مسار الحزب نحو التقهقر.