الجزائر تشدد قبضتها على الحريات وتلاحق أصوات المعارضة

عاد ملف الحريات والتضييق على الأصوات المعارضة إلى الواجهة في الجزائر، بعد قرار قضائي بإيداع الناشط محمد بكير تركي، المعروف شعبيا بـ«سفيان» وصاحب شعار «يتنحاو قاع»، الحبس المؤقت بالمؤسسة العقابية بالقليعة، في قضية أثارت انتقادات حقوقية واسعة بسبب طبيعة التهم الموجهة إليه.

وأصدر قاضي التحقيق لدى محكمة سيدي امحمد بالعاصمة، يوم الأربعاء 12 غشت 2026، أمرا بإيداع الناشط السجن المؤقت، مع فتح تحقيق قضائي في مواجهته بتهم من بينها الإشادة بالإرهاب واستخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال لنشر أفكار تنظيم إرهابي، إلى جانب اتهامات أخرى مرتبطة بالنشر والمساس بالنظام العام.

وكانت أجهزة الأمن قد أوقفت «التكتوكر سفيان» مساء الأحد 9 غشت، من مقر عمله بمديرية أملاك الدولة في الجزائر العاصمة، حيث يعمل عون أمن، قبل وضعه تحت النظر وإحالته على وكيل الجمهورية، الذي أحاله بدوره على قاضي التحقيق.

وتعود القضية، وفق المعطيات المتداولة، إلى بث مباشر أجراه الناشط عبر منصة «تيك توك» في 5 يونيو 2026، وهو البث الذي شكل أساسا للمتابعة القضائية ضده. وتشمل لائحة التهم جناية الإشادة بالإرهاب، واستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال لنشر أفكار تنظيم إرهابي استنادا إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، فضلا عن جنحة نشر وترويج أخبار مغرضة يزعم أنها تمس بالأمن والنظام العام، طبقا للمادة 196 مكرر.

 

كما يواجه الناشط اتهامات بعرض منشورات يمكن أن تضر بالمصلحة الوطنية وفق المادة 96، وإهانة هيئة نظامية بموجب المادة 146، إضافة إلى جنحة التحريض على مقاطعة الانتخابات المنصوص عليها في الأمر رقم 21-01 المتعلق بنظام الانتخابات.

وتكتسي قضية «سفيان» حساسية خاصة بالنظر إلى الرمزية التي اكتسبها اسمه منذ اندلاع الحراك الشعبي في فبراير 2019. فقد ارتبط به شعار «يتنحاو قاع»، الذي أطلقه بشكل عفوي خلال بث مباشر لقناة «سكاي نيوز عربية» من الجزائر العاصمة، عقب إعلان الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة التخلي عن الترشح لولاية خامسة.

 

وسرعان ما تحول الشعار إلى واحدة من أبرز عبارات الحراك الشعبي، وتداولها المحتجون على نطاق واسع باعتبارها تعبيرا مباشرا عن رفض استمرار المنظومة السياسية القائمة ومطالب التغيير.

 

وفي هذا السياق، اعتبرت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان أن اعتقال الناشط لا يمكن فصله عن رمزية حضوره في ذاكرة الحراك، معتبرة أن إعادة ملاحقته بسبب نشاط رقمي تثير تساؤلات بشأن حدود حرية التعبير في الجزائر وطريقة توظيف النصوص الزجرية في مواجهة الأصوات المنتقدة.

 

وترى المنظمة أن اللجوء إلى المادة 87 مكرر، التي طالما أثارت جدلا حقوقيا، يكرس توجها نحو توسيع نطاق التهم المرتبطة بالإرهاب لتشمل أفعالا وتعبيرات ذات طابع سياسي أو رقمي، وهو ما تعتبره مؤسسات حقوقية مدخلا لتضييق المجال العام بدل حماية الحق في التعبير.

 

وتعيد هذه القضية، بحسب منتقدي السلطة الجزائرية، طرح سؤال أوسع حول وضع الحريات في البلاد، خصوصا في ظل استمرار توقيف ومتابعة نشطاء وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان على خلفية مواقف أو أنشطة سلمية.

 

وتشير تقديرات حقوقية متداولة إلى وجود مئات من معتقلي الرأي في السجون الجزائرية، مع اختلاف الأرقام بحسب الجهة التي توثق هذه الملفات ومعايير تصنيف المعتقلين. وتعتبر منظمات حقوقية أن استمرار هذه المتابعات يعكس تراجعا في هامش الحريات، ويعزز الانطباع بأن القضاء والنصوص العقابية أصبحا جزءا من أدوات مواجهة المعارضة والاحتجاج.

 

وبينما تقدم السلطات الجزائرية هذه المتابعات باعتبارها مرتبطة بحماية الأمن والنظام العام ومكافحة الأفعال التي تصنفها ضمن الجرائم الخطيرة، يرى منتقدوها أن توسيع دائرة المتابعة لتشمل التعبير الرقمي والمواقف السياسية يضع حرية الرأي أمام قيود متزايدة، ويعيد إلى الواجهة صورة نظام يواجه الانتقادات بالمتابعات القضائية بدل فتح المجال أمام نقاش سياسي وحقوقي أوسع.

وتضع قضية «سفيان» السلطات الجزائرية مجددا أمام اختبار الحريات، خصوصا أن صاحب شعار ارتبط بواحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشعبي في تاريخ البلاد يجد نفسه اليوم في السجن بسبب قضية تتصل، وفق المعطيات المعلنة، بمحتوى رقمي. وهو ما يعيد إحياء المخاوف من أن يتحول التعبير عن الرأي في الجزائر إلى مخاطرة قانونية كلما اقترب من الخطوط الحمراء التي ترسمها السلطة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *